جودت سعيد داعية العلم والسلم

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٢٦، ٢٦ مارس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
مجلة الكلمة السواء
مقالات مميزة
المقدمة
تمهيد
مقالات جديدة
الأمريكي المنشق، الفردانية كقضية الضمير
الذات والآخر في ضوء الإسلام
الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر
العدو من وراءنا والتحدي من أمامنا
العصيان المدني
العقائد والتعايش
بماذا يحلم الإيرانيون
جودت سعيد داعية العلم والسلم
جودت سعيد في كلمات
جودت سعيد في لقاء مع رزان زيتونة
عصر الرشد (التوافق)، بيان من أجل نظام عالمي جديد
مراجعة لفوكو والثورة الإيرانية
هل القتل هو الحل
...المزيد



داعية العلم والسلم

مقال بقلم: حنان لحام

ليس من السهل على القارئ أو الدارس أن يدرك عمق وعظمة الأفكار التي طرحها جودت سعيد من خلال قراءة مقال أو بضع مقالات. ولكن يمكن أن نعتبر هذه الكلمات غرفة من نبع ثر مبارك نسأل الله له المزيد من التجدد والعطاء. كيف ألخص أفكارا صحبتها ثلاثين عاما فلم تخذلني. تعرفت عليها وهي طفلة غضة ومازالت تنمو وتترعرع في نفسي وفي ساحة الفكر الإسلامي المعاصر التي تكاد تكون مقفرة. حتى أينعت وأصبحت تؤتي كلها كل حين بإذن ربها. المهمة صعبة ولكنها ممتعة. لأنها حديث عن إنسان عظيم ني فكره وإخلاصه. نذر نفسه لقضية المسلمين ندرس سنن التغيير وبذل جهده في تسخيرها والدعوة إليها. إنسان استطاع أن يجمع بين رقة الصوفيين وخشوعهم وعلمية العلمانيين وشجاعة العالمين المجاهدين. إنسان تعجب له كيف جمع بين التواضع وخفض الجناح مع الآخرين والاعتداد بما وصل إليه من كشف.

إن كان لي أن ألخص معالم هذه الشخصية الفذة فإنني أقول: إنه إنسان تعب كثيرا في تحصيل أفكاره، ثم عاشها كأحسن ما يستطيع.. فلم ينافق ولم يترفع عن معاناة الناس. إنه إنسان آمن بفعالية الحب والرفق، فيوشك أن يملك القلوب برفقه، ويكتسح العقول بفكره الواقعي. لقد استطاع بدأبه على دراسة فكر السابقين والمعاصرين من العلماء أن يختزل زبدة ما وصلوا إليه بعد أن عرض على محك الواقع. ففي جعبته عصارة فكر محمد إقبال، وابن تيمية، وجلال الدين الرومي ومالك بن نبي، وخلاصة دراسات المؤرخين القدماء والمحدثين… بل إنه درس الفكر العالمي المتعلق بالعلوم الإنسانية واستطاع أن يدرك أبعاد الحداثة وما فيها من غث وسمين. ويمكن أن ترى مثلأ لذلك في دراسته للمفكر محمد اركون ونقده لكتبه. ولهذا فانك أيها القارئ الكريم إن جلست تستمع إليه أحسست أنك أمام بحر تتقاذفك أمواجه، فان استشهد بآية من القرآن، خيل إليك أنك تسمعها لأول مرة، إذ لم تفهمها بهذا الشكل قبل الآن. وأبرز ما يميز هذا المفكر عن غيره في عالمنا أنه داعية للعلم والسلم في عالم مليء بالتخبط والفتن.

ففي مجال العلم: كانت كتبه أبحاثا في سنن التغيير، فهر يدعو إلى دراسة آيات الآفاق والأنفس - أي سننها وقوانينها- مهتديا بقول الله تعالى: ((سيروا في الأرض فانظروا)) فالواقع هو المرجع. والعواقب هي الميزان الذي يحكم على الأمور بالصلاح أو الفساد ((يا قوم اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون. فالعواقب هي التي تحكم أينا كان على الحق. فالعلم يتراوح بين أمرين ((انظروا)) و((انتظروا)) ولا تكفي (( انظروا)) وحدها لأن الحواس يمكن أن تنقل للعقل وهماً فتشكل فيه صورة ذهنية خاطئة يقول عنها جودت هي الفاسق الذي ينبغي التدقيق في أخباره ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)). فالعواقب هي التي تجلي سنن الواقع، أي آيات الأفاق والأنفس، وهي التي ستعطي الفهم السليم لآيات الكتاب وتشهد لها بأنها الحق. (ويضرب مثلأ على ذلك بالصورة الذهنية الخاطئة التي كانت في الماضي عن دوران الشمس ). وفي مجال السلم: كان لهذا المفكر الباع الطويل إذ إنه استفتح إنتاجه الفكري بكتابه ((مذهب ابن آدم الأول )) الذي عبر فيه عن التزامه باللاعنف في العمل الإسلامي. وكم كان كشفه رائعا لهذا الأمر الذي كان خافيا وملتبسا بشكل عجيب منذ ثلاثين عاما وحتى الآن عند كثير من المسلمين.

لقد استطاع أن يقدم الأدلة الشرعية والواقعية على ضَرر حمل السلاح في مجال الدعوة وإنكار المنكر، فقد نهى رسول الله (ص) عن المشاركة في الفق، وكان الخوراج أول من دشن الحروب الأهلية في تراثنا،ومازال كثير من المسلمين على مذهب الخوارج. وانطلق مفكرنا جودت في دعوته إلى احترام الآخر ونبذ التكفير والقتال بين المسلمين،انطلق يجهر بالحق ويدعو إلى التوحيد الذي يحقق جوهر العدل، فلا أحد فوق القانون، فهو أرقى من ديموقراطية الغرب المزعومة التي أفرزت مجلس الأمن (وحق الفيتو) الذي ينطبق عليه وصف رسول الله (ص ) إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذ سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد!

وهو يتنبأ بان يسود السلم أنحاء العالم لأن التقدم العلمي عطل استعمال الأسلحة وأبرز خطورة الاستمرار ني طريق العنف، فالإنسان في طريقه إلى تصفية الحروب، وما نراه من عنف في جنبات الأرض فهو في العالم الغربي يمثل بقايا الشرر التي تظهر عن انطفاء النار، وفي عالمنا إنما هو ناتج عن جهلنا و تلاعب الخبثاء فينا كي نشتري ما عندهم من أسلحة بدلأ من إتلافها، فتصبح أرباحهم مضاعفة. ويشبه انبهار المسلمين بالسلاح النووي بانبهار الناس عندما ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم. فسحروا أعين الناس واسترهبوهم واصبحوا يخيل إليهم أنها تسعى. ولو إن المسلمين ملكوا عصا العلم لأبطلت هذا السحر والإفك، ولكن المسلمين حتى الآن غائبون عن إضافات القرن العشرين والآثار الفكرية للتكنولوجيا.

إن جودت سعيد يدعو المسلم إلى أن يلتزم التقوى وكف اليد ولو من طرف واحد (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) كما فعل ابن آدم الأول. إنه يدعو إلى إحياء أخلاق الأنبياء وأتباعهم من محبة للناس ((احبوا أعداءكم )) وكما وصف القرآن أتباع محمد (ص ) ((ها انتم هؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم)) إذ كيف يمكن للطبيب أن ينقذ المريض إن لم يحبه أو يشفق عليه على الأقل ؟! ويدعوه إلى الأمانة والوفاء حتى يثق به عدوه كثر مما يثق بأصدقائه وأهل ملته. كما كانت قريش تثق بمحمد (ص) ولا تستأمن على الودائع غيره. آخر محطة أقف عليها في استعراضي لبعض كنوز هذا المنجم الفكري: هو حديث جودت عن تاريخية الأحكام، فقد وصل إلى التاريخية بطريقة شرعية مقنعة إذ صنف الدين إلى عناصر ثلاثة: عقائد تتحقق بالإقناع ولا يجوز فيها الإكراه ((لا إكراه في الدين )) عبادات: تؤخذ بالاتباع ولا مجال فيها للتجديد (صلوا كما رأيتموني اصلي ). معاملات: مقياسها العدل وما ينفع الناس. وكما يتول ابن القيم (حيث كان العدل فثم شرع الله).. والله يقرر ((وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض))- لأن مقاصد الشريعة هي صلاح الناس ونفعهم. وكما تال عيسى ((إنما جعل السبت من أجل الإنسان )) وكذلك فان النص من أجل إسعاد الإنسان. ويتول إن حياة الناس مازالت تتطور وتتغير باستمرار. وهي في نموها الارتقائي تنسخ وتلغي وراءها ما لم يبق فيه نفع،وحتى أفكاري إن كانت زبدا لا نفع فيها فستذب غير مأسوف عليها ويأتي ما هو أفضل منها. إنه بنظرته العلمية المتفائلة هذه يجعلنا نتشوق لرؤية لقطات من مستقبل الإنسان الذي هو في ارتقاء دائم، والذي يتحقق فيه علم الله من استعلاء على الفساد وسفك الدماء. بل إنه يدفعنا إلى العمل على تحقيق هذا الارتقاء ولو بتقديم خطوات بسيطة، فما أعظم أن نساهم في هذا الارتقاء ولو بكلمة طيبة.

وبعد، تحية لك أيها المفكر العظيم، فقد أضأت لنا جوانب كانت مظلمة. وتحية لك بخاصة على ما قدمت من جهد عملي في سبيل تحرير المرأة المسلمة ودفعها إلى الارتقاء والمشاركة ني صناعة المستقبل الأرقى. أعتذر عن تقصيري في التعريف بك وبأفكارك افضل من ذلك. والحمد لهه الذي انعم علي بمعاصرتك ودراسة أفكارك. و ((لولا أن من الله علينا لخسف بنا)). فله الحمد أولأ وآخراً

  • ـ حنان لحام باحثة سورية مهتمة بقضايا الإسلام المعاصرة لها عدد من الإصدارات.