الذات والآخر في ضوء الإسلام

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٢٢، ٢٦ مارس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث


مجلة الكلمة السواء
مقالات مميزة
المقدمة
تمهيد
مقالات جديدة
الأمريكي المنشق، الفردانية كقضية الضمير
الذات والآخر في ضوء الإسلام
الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر
العدو من وراءنا والتحدي من أمامنا
العصيان المدني
العقائد والتعايش
بماذا يحلم الإيرانيون
جودت سعيد داعية العلم والسلم
جودت سعيد في كلمات
جودت سعيد في لقاء مع رزان زيتونة
عصر الرشد (التوافق)، بيان من أجل نظام عالمي جديد
مراجعة لفوكو والثورة الإيرانية
هل القتل هو الحل
...المزيد


حوار مع جودت سعيد

حوار صحفي عبد الواحد علواني
[=] الثقافة الإسلامية السائدة تنظر إلى التاريخ الإسلامي وتاريخ التشريع على أنه مجموعة من المعجزات والخوارق والغيبيات والمقدسات، فكيف تنظرون إلى هذه الفكرة؟

القرآن دستور، ولكنه يعطي دستورا وثقافة بحسب ما نفهمه، ولكل جيل أن يستنبط منه دستورا لحياته وأحكاما تحقق العدل في كل عصر وعلى جميع المستويات، ولكن الذي حد: خلال التاريخ الإسلامي، أن الفكر الذي يعتمد الخوارق والمعجزات - والذي جاء الإسلام ليزيله ويحل محله السننية- عاد بشكل أو بآخر ليسيطر على العالم الإسلامي، إذ نجد في القرآن أن الحديث عن معجزات الأنبياء والخوارق كان سمة ما سبق. بينما كان الإسلام واضحا ني موقفه إزاء الخوارق، وحينما كان القرشيون يسألون الرسول (ص) أن يأتيهم بالخوارق مثله في ذلك مثل الأنبياء من قبله قائلين:(لولا تأتينا بآية، كما أرسل الأولون (( ومطالبين بإزالة الجبال أو تفجير الينابيع والأنهار ني جزيرة العرب، أو يكون، مع كنز، أو ملك، كان الرسول يرد ببساطة متناهية ((هل كنت إلا بشرا رسولآ!، ويبين لهم الرسول أن هذه دعوته فان استجابوا فإنما لأنفسهم، وإلا فانه صابر. وإذ يلحون في الطلب، يرد القران عليهم:((أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ا. فالإسلام جاء دعوة ضد الخوارق، ودعا إلى نظام السننية لتغيير المجتمع بحوار يومي وكفاح دائب، ومواقفه معروفة لمن أراد أن يعرف، لقد استطاع الرسول (ص) أن يغير على أساس سنني، ولكننا كتبنا سيرته على أساس أنه سلسلة خوارق ومعجزات. وخطورة تصورنا هذا تكمن في أنه يثبطنا ويجعلنا عاجزين عن تجاوز أحكامنا اللاعلمية، لأنه يرب!عل التغيير بالخوارق، وبنمو البشر عاجزين عن الإتيان بالخارق، فلذلك لا يستطيعون التغيير ة بينما عندما ننظر إلى التغيير على انه سنني - كما وضح الإسلام - فيمكننا إعادة الرشد إلى الأمة.

[=] مسألة الخلافة تدخل في إطار ما يسمى بالإسلام السياسي وثمّ فارق واضح بين خلافة الملك، والخلافة الراشدة، كيف تفسرون عجز الأمة الإسلامية عن العودة إلى الخلافة الراشدة؟!

جاء الإسلام بأسلوب العدل ني الحكم، لأنه ألغى وراثة الملك أو التسلط، ولكن الفقه الإسلامي كتب متكيفا، لأنه كجانب من التراث الإسلامي كتب بعد أن فقد المسلمون الرشد في السياسة، وبعد أن اقروا بعجزهم عن إعادة الرشد بالرشد، وأجازوا إعادة الرشد بالغي، والغي طريق من يسلكه لا يقدر على الرجوع عنه، لأن الغي يولد الغي وينتج الغي، ولذلك لا نستطيع حتى يومنا هذا أن نخرج عن الغي أو نحقق الرشد. فالإسلام لا يوجد فيه وصول إلى الحكم بالعنف والقوة، والمسلمون يقرون بهذا الأمر إلى حد ما لأنهم لم يسموا أحدا ممن استولى على الحكم بالعنف أو خارج طرق العدل بأنه راشد، وهذه إيجابية حسنة وطيبة، لأنهم لم يلوثوا هذا الاسم بإطلاقه على من لا يستحقه من الذين استولوا على الحكم أو وصلوا إليه بطرق الغي. فكما أنه ((لا إكراه في الدين)) كذلك لا إكراه في السياسة ((فقد تبين الرشد من الغي)). فالسياسة التي لا إكراه فيها هي الرشد، وكل من وصل إلى الحكم دون قهر ودون بغي، إنما باختيار الأمة، سقوا راشدين، ولكن المؤسف أن مفهوم الغلبة والغي استقر في الثقافة الإسلامية، وصبغ الفقه باليأس، مما جمد فكرة الرشد، فالتفسير والتراث الذي كتب في الإسلام، كنب كله متكيفا مع الحالة الطارئة (الغي)، ومنه استنبطوا جواز إزالة الغي بالغي ! ونحن عندما نقيم هذا الحكم على التراث والمناهج، لا نقول أن الجذور ضائعة، ولكنها موجودة ويجب أن نعود إليها.لا تكمن مشكلة الفقهاء والعلماء بتفريقهم بين حكم الغلبة وحكم الرشد، وهم يزنون هذا الأمر بشكل إسلامي سليم، ولكنهم فقدوا جانبا مهما جدا وهو كيفية إعادة الرشد ني الحياة ! وهذا أمر يحتاج إلى دراسات شاملة خارج سق الذين خلوا وأساؤوا إلى فكرة الرشد وسيطروا على تفكيرنا.

[=] كيف استطاع الغرب أن يهضم تجربة الثقافة الإسلامية، بينما نجد المسلمين أنفسهم عاجزين عن فهمها وتجاوزها؟!

لما اتصل العالم الغربي بالثقافة الإسلامية، استطاع أن يفهم الثقافة الإسلامية بصرف النظر عن خوارقه ونقائصه، لم ينظر إليها في إطار القداسة أو الثبات، ولذلك كان الغربيون أحرارا في التفهم واستنباط العبر وخاصة في عدم الخضوع للاستعباد البشري، بينما هذا الخضوع عندنا نتائجه تفقأ العين، والثقافة التي تنتج شعوبا تتقبل مثل هذا الاستخذاء والخضوع لرأي الفرد ثقافة ميتة مهما كانت الجذور طيبة. والغرب بعد أن كان عبدا لأباطرته وديكتاتوريته، استطاع أن يجتاز أزمته بالثورات سواء كانت الفرنسية أو الإنجليزية أو الأمريكية، واستطاع الغربيون أن يعيدوا الرشد بالمعنى الإسلامي إلى حد ما، واستطاعوا أن يزيلوا حكم الغلبة، ومع ذلك لم يستطع العالم الإسلامي إلى الآن أن يتخذ من قراءة الثورات الغربية موقفاً سليما. دراسة الثقافات لا تكون بمجرد قراءة عابرة، إذ لابد من التعمق لفهم ظواهرها وأغراض المنتمين إليها. وكذلك نحن بحاجة إلى دراسات مستفيضة تبين كيف فقدنا الرشد والشورى والرأي، حتى بتنا وكأننا لا نملك سوى رأي واحد هو قطع رقبة الأخر واستئصاله، ولو كان رأينا علميا فكريا لكانت أفكارنا أكثر جهرا وفاعليه، مشكلتنا أننا محرومون من رأينا وإبدائه، كيف نبدي رأينا دون أن يخسر أحد شيئا، نحن لا بديل لدينا إلا أن نخسر الأخر وننتكب، هذا ما يجعلنا عاجزين عن إمكانية التغيير، ربما لا يكون عرضي واضحا تماما، لأن العبارات الواضحة تنقصنا، وثقافتنا خالية من طرق التحليل، إلا إن الموضوع باختصار هو أن الآخر لا يتوقع منا نصرا دون غلبة، ونحن لا نرى إمكانية النصر إلا بالغلبة، ويستمر وضعنا بذلك مأساوياً.

[=] الاجتهاد عمل إسلامي مستمر ومطلوب بصريح النصوص القرآنية والنبوية، لماذا يدخل الاجتهاد في إطار المحظور في الثقافة الإسلامية الساندة؟
بداخلنا خوف تاريخي من الاجتهاد والرأي الجديد. لماذا ؟ إنه خرف تاريخي مستمد من تجربة المجتهدين مع واقعهم، والتاريخ يذكر لنا محنة الإمام احمد بن حنبل عندما واجهه الخليفة برأي مخالف لرأيه، صحيح أن الخليفة كان يعتنق رأي فقيه من الفقهاء، ولكنه وقف بحزم ليبتر الآراء المحالفة، وكان رأي الإمام أحمد بن حنبل كثرها قوة فحبسه وجلده وعذبه لأنه اجتهد. بل حاول الخليفة أن يحمل كل من لا يأخذ بهذا الرأي رأيه، وإذ لم يستجب كان الويل والثبور بانتظاره. واستمر هذا الموقف المعادي للاجتهاد بعد ذ لك إلى درجة أن الخلافة العثمانية كانت تمنع اتباع مذهب الشافعي من تولي القضاء، وكانوا يفرضون أن يتسلم زمام القضاء فقيه حنفي،فالسلطة عندما تتبنى رأيا أو مذهبا فقهيا ترغم الناس على اتباعه، وتزرع الخوف بداخل الناس من الرأي الجديد. فالعلاقة بين الحاكم والمثقف غير سوية عندنا، وذلك لتشابك الإيمان مع العنف والتغيير بالغلبة، فكما اتجهنا نحو الغلبة فقدت الثقافة تيمتها، وفقد العلم أثره، إلى درجة يبدو فيها أن التثقيف والتوعية لا قيمة لهما، ولذلك زهدت الخلافة العثمانية في التعليم مع والفكر. وزهد الناس فيهما أيضا فتعلقوا بالآمال والأحلام بانتظار البطل الذي يغير. منذ أن انتهت الخلافة الراشدة وليس هناك مؤسسات في الفقه ولا في الشورى ولا في المرجعية، إنما رأي فرد فقيه يتبناه فرد طاغ، فيفرضه بالقوة على المجتمع دون أن يسمح بأي هامش يبيح مناقشة، ودون أن يرجع إلى أهل الذكر ((فاسألوا أهل الذكر ))، ودون مشاورة أو بحث أو تحليل أو نظر إلى العواقب وعندما يكون للعلماء مجالس يتداولون فيها الأحكام والتشريعات دون خوف من الاجتهاد والتجديد- خاصة في هذا العصر الذي ظهرت فيه الديموقراطيات، وباتت فكرة التعددية واضحة ومطلوبة- فان حالتنا تتحسن بكل تكيد، والتغيير يكون أقرب منالا، لأن هذه المجالس تحلل وتبحث وتنظر في العواقب وتغير في التشريعات والأحكام باستمرار. والمجالس ني إعلانها لتشريعاتها وأحكامها إنما تيسر لدخول عامل الحركة في الفقه والاجتهاد، فالرأي، وإن نبذ بداية، يمكن أن يكون مقبولا بحسب عواقبه، ومن خلال تأمله في ضوء الماضي والحاضر وأحداث العالم قد يصبح مقنعا. والاجتهاد- لقبوله والاقتناع به - ينبغي أن يمر عبر هذه المؤسسات التي تقوم بعملية التنقيح والغربلة، وعندها يمكننا أن نخلد إلى الطمأنينة دون خوف من الآراء الشاذة ودون أن نحمل أنفسنا مهمة استئصال طارحيها.