محاضرة جودت في بلجيكا
من Jawdat Said
هذه بداية صفحة لمحاضرة جودت في بلجيكا.
محتويات
المقدمة
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والآمرين بالقسط من الناس.
أرى أنه ينبغي أن أقدم وجهة نظري كإنسان يراقب هذا العالم الصاخب الذي اختلطت فيه المصالح والمغارم. عالم يتمتع فيه خمس البشرية الأبيض النظيف بالمعرفة وبـ80% من الثروة والامتيازات لكنه يعيش في خوف على امتيازاته، بينما يعيش أربعة أخماس البشرية في فقر وفساد وبؤس ويتلمظ للحصول على الامتيازات.
أنا هنا أحاول أن أشرح وضعاً بشرياً صعباً، ليس لأنه غير واضح، بل هو واضح جداً لكنه في الوقت نفسه خفي جداً. مثل الشمس الواضحة التي ظن الناس أنها تدور حولنا. إننا نعيش أموراً كثيرة بهذا الوضوح والخفاء، والموضوع الذي نحن بصدد بحثه هو من هذا النوع الخفي الجلي في آن واحد.
إن النظام العالمي القائم مفروض بالقوة من أجل الحفاظ على امتيازات 20% من البشر. إنها شرعية فرضت بعد الحرب العالمية الثانية من خلال الأمم المتحدة التي تمثل أعلى مؤسسة سياسية عالمية (يسمونها شرعية دولية) لكنها معبد تعبد فيه القوة، من خلال حق (الفيتو) الذي أعتبره عاراً على المثقفين الصامتين، وهو ثمرتهم شاءوا أم أبوا، وهو الذي حول الأمم المتحدة إلى ورقة لا تستر عورة الإنسانية بل تفضحها، فهو إلغاء للعدل وللقانون ولحقوق الإنسان وللديمقراطية، وهو الفساد الأكبر في العالم، والشر الذي يولد كل الشرور.
مواضيع البحث
مشاهد قرآنية عن الإنسان
مصير الإنسان هو الخروج من الفساد
(إني أعلم ما لا تعلمون) ((مقدمة (مشهد1)) (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ) ] البقرة: 2/30-31 [.
يتحدث الله عن الإنسان حين كان مشروعاً لم يتحقق بعد، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) واعترضت الملائكة بأن الإنسان ليس أهلاً لهذه المهمة، (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) فأجابهم الله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إني أعلم في هذا المخلوق ما لا تعلمون من إمكانات يُمكنه أن يحققها، ثم أضاف (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ)، وكأنه يقول: إن هذه الإمكانية منبثقة من أنني جعلته قادراً على التسمية، أي على وضع الأسماء للمسميات، بهذه القدرة استحق الإنسان الخلافة، لكن البشر لا يزالون يعيشون على توقعات الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء، ولم يحققوا بعد علم الله في الإنسان.
المثقف وتحمل المسؤولية (آدم وزوجه نموذجاً)
(ربنا ظلمنا أنفسنا)
يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى التواطؤ الضمني الذي يمارسه أفراد المجتمع، (فأنا أعلم، وأنتم تعلمون، وأنا لا أتكلم، ولا أنتم تتكلمون، لكننا جميعاً ملتزمون) بالتواطؤ الاجتماعي الدولي فنسكت على الفساد العالمي المتمثل في مجلس الأمن وحق الفيتو الذي أعتبره رصيداً لكل الطواغيت في العالم.
(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا …) ] البقرة: 2/35-36 [.
وقال: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ. فَدََّلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) ] الأعراف: 7/20-22 [.
إلى هنا يُثْبِتُ المشهد أن آدم وزوجه وقعا فيما نهى الله عنه، والشيطان أبى أن يسجد للأمم حين أمره الله. ولكنني أرى أن الذي يدعو للتأمل هو موقف كل من آدم وزوجه والشيطان. حين واجه الله آدم وزوجه والشيطان، في الوقوع في المعصية وعدم تنفيذ الأمر، كان جواب آدم وزوجه: والخطاب هنا موجه من البدء لآدم وزوجه من دون تمييز أو دونية أحدهما:
(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) ] الأعراف: 7/22-23 [.
إن آدم وزوجه من غير أن يحاولا (اللف والدوران) اعترفا بكل الوضوح بالظلم الذي وقع منهما، وطلبا المغفرة والرحمة وإلا فإن الخسارة ستقع عليهما، ومع أن القرآن يذكر أن الشيطان قام بدور كبير في الإغراء ليأكلا من الشجرة وأنه سيمنحهما الخلد وملكاً لا يبلى، وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين، لم يذكر آدم وزوجه أن الشيطان أغراهما، بل تحملا المسؤولية دون اتهام أحد، بل ربما شعرا أن محاولة اتهام الشيطان بالإغراء والإغواء يدينهما مرتين، بينما الاعتراف بالخطأ يمكن من تصحيح الخطأ ولا يُعَقَّدُ الحل، ولعل آدم استحق الاستخلاف في الأرض لأنه قادر على الاعتراف بالخطأ وتصحيح الخطأ، بينما الشيطان كان جوابه على معصيته:
كان موقف إبليس من معصيته أنه احتج بحجتين:
الأولى بأصله المادي، أي بعرقه وأنه من جنس مختلف ومعدنٍ أرقى من معدن آدم.
والثانية بمذهبه في التفسير للوجود من أن سبب خطئه يرجع إلى الله الذي مكنه من الوقوع في الخطأ، وربما يمكن أن نفهم من هذا أن مشكلة البشر ترجع إلى الافتخار بالعرق أي أصلهم المادي، والمذهب أي نظريتهم في تفسير الوجود في النزاعات العرقية والدينية أو الحضارية. ثمة شيء آخر، إن التفسير الخاطئ للموضوع لا يساعد على حل المشكلة، لكن التفسير الصحيح يساعد على كشف سبب الخطأ ؛ لإزالته والاهتداء إلى الحل الصحيح، فمن هذا الجانب، إن تبرئة الذات واتهام الآخر ليس هو الطريق الصحيح لحل المشكلة، وإنما يكون الحل من الذات وكشف الخطأ فيها، فالقرآن يهتم بالظلم الذي يلحقه الإنسان بذاته لا الظلم الذي يلحقه من الآخر عندما يقول:
(مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ش النساء: 4/79 [.
(وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ] النحل: 16/33 [.
رمز نهاية الفساد: (لئن بسطت يدك إلي لتقتلني)
((مشهد رقم 3))ما قصة ابن آدم هذا في القرآن ؟ يذكر قصة ابني آدم قائلاً موجهاً الكلام إلى محمد (ص) أن يتلو على البشر وعلى العالم جميعاً نبأ ابني آدم بالحق:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّباً قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ: لأقْتُلَنَّكَ قَالَ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قَالَ: يَاوَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ) ] البقرة: 5/27-31 [.
من أراد أن ينظر إلى هذه القصة حقيقة واقعية فليفعل، ومن أراد أن ينظر إليها رمزاً فليفعل، إلا أنني أجد في هذه القصة، ارتفاع الإنسان إلى مستوى جهازه العصبي الجديد، جهاز الفهم والتسخير والانتقال بالسلطة والقانون إلى الوعي الإنساني، لا إلى الجهاز العضلي للأمم، هذا هو التطور والنتيجة الأولى للتطور والانتقال، والتمييز الاختياري بين الشر والخير، وأن السلطة لجهاز الفهم لا لجهاز العنف والإكراه. تَطورَ الإنسان إلى شريعة الفهم وخرج من شريعة الغاب والناب إلى شريعة الحوار وتحمل مسؤولية التطور وعدم القبول بالعودة إلى القانون السابق، عالم سابق تجاوزه الإنسان، وأمانة تحملها وعهد أخذه، ينبغي الوفاء به، وأن لا يخون الأمانة.
إن قصة ابن آدم المقتول في القرآن تضيف إلى القصة التي في سفر التكوين موقفاً من ابن آدم القتيل، إنه جرى بينهما حوار فالذي لم ينجح في عمله وفشل في حل مشكلته، بدل أن يراجع نفسه المتطورة، رجع وانتكس إلى الأسلوب القديم ؛ أسلوب القتل ؛ وقال لأخيه هابيل الذي تقبل الله قربانه ونجح عمله: لأقتلنك، سفر التكوين لا يذكر جواب هابيل في الحوار، والقرآن يذكر جواب هابيل بوضوح وإصرار ووعي من هابيل. أجاب هابيل على التهديد من قبل أخيه فقال:
(لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ] المائدة: 5/28 [. لم يقف هابيل هذا الموقف بتردد بل بإصرار ووعي وتحمل للعواقب وتحمل للمسؤولية وحسن استخدام للسلطة الجديدة التي اكتسبها الإنسان، هذا الذي ينبغي أن نقف عنده لبدء عهد جديد. ولقد دشن هابيل بموقفه هذا، الوعي التاريخي التطوري، سواء صحت هذه القصة أم لم تصح كتاريخ، إلا أن الكون يشهد بعد أربعة ملايين من السنين على ظهور الإنسان المنتصب القامة المرفوع الرأس ذي الجهاز العصبي المتطور، بصحة قصة سقراط. فكما شهد العالم وحتى الكنيسة برّأت جاليليو بعد أربع مئة عام من أن فكرته ليست هرطقة، فإني أشهد أن موقف هابيل ليس هرطقة، بل هو الموقف المتطور للحياة الإنسانية الجديدة مهما كان كشف ذلك صعباً، إن هذا الموقف ليس هرطقة، وإذا كان صعباً علينا أن نثبت تاريخياً صحة هذا الحوار وهذا الموقف من ابْنَيْ آدم، إلا أن التاريخ سجل لنا موقفاً شبيهاً وتاريخياً هو موقف سقراط وتحديه بقبول العنف الجسدي والموت، ورفض أن يُقفَ حواره مع الجهاز العصبي أو يهرب من الحوار. إننا نقدم هنا تحية إعجاب وخشوع لابن آدم الأول ولسقراط لأنهما وثقا بالتطور الذي حدث للأمم ولم يتراجعا، ورفضا أن يقبلا العودة إلى شريعة القوة الجسدية، فقدما مثلاً وموقفاً للمثقف.
الخاتمة
انتهى عهد الأنبياء بعد الرسالة الخاتمة، وانتقلت المسؤولية إلى أهل العلم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ، ومن ضباب الخوارق إلى ضياء السنن ، ومن جور الاستعباد إلى عدالة الحرية .
الأنبياء جاؤوا للتنافس في فعل الخير ، لنتنافس كيف نصنع السلام العالمي ، ونصنع المجتمع العالمي الذي يتساوى الناس فيه أمام القانون ، ونكون بذلك حققنا إرادة الله وأُمنية الأنبياء . وأقرب الناس إلى الله هم الذين يُقدِّمون خدمات للناس أكثر .
والمسألة ليست مسألة تشريع ديني ، أو قانون وضعي ، بل مسألة ظلم أو عدل ، مساواة أو امتيازات ، آلهة أو عبيد .
ومعلمون لا يثقون بعلمهم لن يكونوا قادرين على تلقيح العقول بمضادات الاستبعاد .