مجال كل من التغييرين

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٢٨، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))

مجال كل من التغييرين تغيير الله وتغيير القوم إن مجال التغيير الذي يحدثه الله ، هو ما بالقوم ، والتغيير الذي أسنده الله إلى القوم ،مجاله ما بأنفس القوم . « ما بقوم » يشمل الكثير ، ويشمل أول ما يشمل ما يمكن أن يلاحظ ويرى من أوصاف المجتمع ؛ من الغنى والفقر ، والعزة والذلة ، والصحة والسقم . وينبغي أن نتذكر هنا ، أن القصد ليس الفرد ، كل فرد بذاته ، وإنما المجتمع العام . وأن التغيير الذي يحدثه الله من الصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والعزة والذلة ، إنما يعود إلى القوم بمجموعهم لا إلى فرد محدد . إذ يحدث أن يغني القوم ، ولكن ليس معنى هذا أن لا يبقى فيهم فقير . كما يحدث أن يفقر المجتمع ، وليس معناه أيضاً أن لا يبقى فيهم شخص غني . وكذلك الأمر بالنسبة للصحة والسقم ، قد يصيب القوم السقم ، ولكن لا يشترط أن يصاب كل منهم بسقم ، كما قد يصيب القوم الصحة ولكن لا يشترط أن لا يبقى فيهم سقيم . ونؤكد مرة أخرى ما سبق أن بيناه ، من أن السنَّة التي في الآية ليست فردية ، وإنما اجتماعية ، وهذا يقتضي منَّا : أن تكون لدينا القدرة على النظر إلى المجتمع (القوم) ككائن واحد بمجموعه وهذه نظرة قرآنية بكل معنى الكلمة حيث يقول الله تعالى : « لكل أمَّة أجل » الأعراف – 34 - ، وقال : « ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون » - 43 – المؤمنون . فهذا الأجل هنا ليس أجل الفرد وإنما هو أجل الأمة ، لأن للامة وللمجتمع كياناً يكون حياً به وعلى أساسه يأتيه الأجل ، ولا يشترط أن يكون أفراده ماتوا ، ولكن الكيان الذي كان للامة مات وذهب ، كمجتمع الفراعنة ، ذهب ولم تبق له باقية ، لا بهلاك أفراده وإنما بذهاب كيانه . وهذا ما جعل محمد إقبال يقول في أن أجل الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة : أمَّة الإسلام تأبى الأجَلا أصلُها الميثاق في قالوا بلى إشارة إلى قوله تعالى : « ألست بربكم قالوا بلى » الأعراف – 172 . فالنظر إلى المجتمع كفرد ، سهل لنا فهم التغيير الذي يحدث فيه . مثلاً : يمكن النظر إلى المجتمع على أساس الصحة والسقم ، باعتبار عدد الأصحاء في المجتمع ، فإذا كان نسبة الذين يتمتعون بصحة كاملة هي 50% من المجتمع ، فإن هذا المجتمع أقل نعمة من المجتمع الذي نسبة الأصحاء فيه تبلغ 90% من أفراده . كما أنه لا شك أن مصلحة الفرد أن يعيش في مجتمع 90% من أهله أصحاء بدلاً من أن يعيش في مجتمع 50% منه فقط الذين يتمتعون بصحة جيدة وكاملة . علينا أن لا ننسى هذا سنَّة دنيوية ، لا سنَّة أخروية . وكذلك الأمر بالنسبة للغنى والفقر . هذا ويمكن أن يفصل في هذا الموضوع بأدق وأكثر مما ذكر الآن . وعلينا أن نعود إلى مجال هذا التغيير ، الذي يحدثه الله بما بالقوم . كما أن مما يدل على صحة هذا التفسير الذي سقناه لمعنى « ما بقوم » في قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم .. » إنه يشمل الغنى والفقر ، والصحة والسقم ، والعزة والذلة – ما ورد في سورة الأنفال من استبدال كلمة « ما » في سورة الرعد بكلمة « نِعْمَة » حيث قال : « ذلك بأن الله لم يك مُغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الأنفال – 53 - . إذ أن كلمة نعمة أخص من كلمة « ما » لأن كلمة « ما » تشمل النعمة والنقمة ، كما أن كلمة النعمة عامة أيضاً في جميع أنواع النعم ولاسيما وأنها جاءت نكرة . فكلمة « نعمة » تشمل الصحة ، وهي من أكبر النعم ويقول صلى الله عليه وسلم في ذلك : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ) ، والرزق نعمة وكذلك الغنى ، وسلامة الأعضاء ، ونجابة الأولاد ، ونظافة المساكن ، والمودة والحب والإخاء . « فأصبحتم بنعمته إخواناً » آل عمران – 103 . والتراحم والإيثار ، واللين والشدة ، كل في مكانها ، « فبما رحمة من الله لنت لهم » آل عمران 159 ، « وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها » إبراهيم 34 . كل هذه النعم ما ذكر منها وما لم يذكر ، وما يقابلها من النقم : متضمنة في قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 - . هذه هي التغييرات التي يحدثها الله تعالى بالأقوام . وأما التغييرات التي يحدثها الأقوام ، فإن الله تعالى علَّقها بما بالأنفس . فما هذا الذي بالأنفس وهل للبشر قُدرةٌ على تغييره بما مكنهم الله فيه ؟ إن المراد بما بالأنفس : الأفكار ، والمفاهيم ، والظنون ، في مجالي الشعور واللاشعور . وملاحظة الارتباط بين التغييرين ، وتمكُّن الإنسان من استخدام سنن التغيير ، يعطي للإنسان سيطرة على سنَّة التاريخ ، وسيطرة على صنعه وتوجيهه . وفي الواقع إن ابن خلدون لمح هذا الجانب ببصيرة نفَّاذة ، وأدرك أنه لمح شيئاً خطيراً لم يُسبق إليه في إقامة لبرهان ، وإن سُبق إليه في ذكر العنوان . وابن خلدون هو فلتة من فلتات الزمان ، كما يقال عادة ، حين تخفى عوامل السنن في الأحداث ، إذ ألقى ضوءاً كبيراً في هذا المجال . ولكن المشكلة أنه كما لم يسبقه أحد ، كذلك لم يتبعه أحد من بعده أيضاً في العالم الإسلامي ، إذ أنَّ هذا المنهج قد بدأ به ابن خلدون ، ثم توقف من بعده . ومما يلاحظ على ابن خلدون أنه كشف السنَّة كشيء حتمي لا كسنَّة يمكن السيطرة عليها . ومع ذلك فإن الجانب الذي اعتنى به ابن خلدون ؛ هو الذي يمكن الإنسان من لجام الزمان آخر الأمر . ولخطورة ما اهتدى إليه ابن خلدون ، استحق أن يقول عنه أشهر مؤرخي العصر ، والذي يمسك بزمام فلسفة التاريخ الآن ، وهو توينبي قال عن المقدمة : « إنه أعظم عمل من نوعه أمكن أن يبتكره عقل من العقول ، في أي عصر من العصور ، في أي رَجَاً من أرجاء الأرض »(1) . ويعتبر محمد إقبال : « تصور الوجود حركة مستمرة في الزمان » . ] هذه الفكرة هي أبرز ما نجده في نظر ابن خلدون إلى التاريخ ، مما يسوغ ما أضفاه عليه (فلنت) من مدح وثناء إذ يقول : « إن أفلاطون وأرسطو وأوجستين ليسوا نظراء لابن خلدون ، وكل من عداهم غير جديرين بأن يذكروا إلى جانبه » [(2) . ونحن سنذكر شيئاً مما قاله ابن خلدون عن تفسير ما بالقوم وتحديده ، ثم بعد ذلك نشير إلى ضرورة الاطلاع على ما وراء تلك التغييرات ، التي تلحق الأقوام مما سميناه نحن التغيير الخاص بالله تعالى . يقول ابن خلدون : (… ولم أترك شيئاً في أوليَّة الأجيال والدول ، وأسباب التصرف والحَوْل ، وما يعرض في العمران من دولة وملَّة ، ومدينةٍ وحَلَّة ، وعِزَّةٍ وذِلَّة ، وكثرة وقِلَّة ، وعلم وصناعة ، وبَدْو وحَضر ، وواقع ومنتظر ، إلا واستوعبت جُمَلَهُ ، وأوضحت براهينه وعِلَلَهُ ، فجاء هذا الكتاب فذاً بما ضَمَّنْتُهُ من العلوم الغربية ، والحكم المحْجُوْبَةِ القريبة ، وأنا من بعدها مُوقنٌ بالقُصُور بين أهل العصور معترف بالعجز، راغب من أهل اليد البيضاء … النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء ، والاعترافُ من اللوم مًنْجاة والحُسنى من الأخوان مرتجاة)(1) . وابن خلدون له من التطلع إلى ما وراء الأحداث من أسباب ، سواء كانت هذه الأحداث دولاً ومللاً ، وعزَّة وذلة ، وكثرة وقلة . فإن ما يذكره ابن خلدون هو هذه الأشياء الظاهرة مما بالقوم ، من غنى وفقر ، وصحة وسقم ، وعزة وذلة . فهذه الأشياء هي التغيير الذي يحدثه الله في نص الآية . وابن خلدون صار له من التطلع إلى مبررات ومسببات هذه النعم والنقم ، لما بالأقوام والدول والملل ، ما دعاه إلى أن يُعمل فكره فوصل إلى ما وصل إليه وهو يقول في ذلك : « فإن التاريخ في ظاهره ، لا يزيد على أخبار من الأيام والدول … وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق … وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق » . فهذا الذي يسميه ابن خلدون باطن التاريخ ؛ هو الذي سميناه القسم الخاص بالأقوام ، في تغيير ما بالأنفس مما أقدرهم الله عليه ، وعلى أساسه حملهم أمانته . وابن خلدون يربط التغيير الأول بالتغيير الثاني ، ولكن بعد هذا لم يلح على كيفية قيام البشر بهذا الواجب . ولا حرج عليه فهو يدرك أهمية ما كشف ويشعر بإمكان زيادته . وفي الواقع إن القارئ العادي قد لا يعطي لابن خلدون قيمته الحقيقية ، لأن الذي يعرف الفضل من الناس ذووه ، فإن من عرف وتمرس على معرفة (كيف بدأ الخلق) ، هو الذي يقدر ما فعل ابن خلدون . أما من لا يعرف كيف وجدت العلوم ، ولا كيف تقدمت ، ويظن أن الأمر وجد هكذا ، فهذا لا يمكنه أن يقدر عمل ابن خلدون ، وقد كان ابن خلدون يعرف طبيعة عمله حين قال عن كتابه : لإنه ضمنه علوماً غريبة ، وحكماً محجوبة قريبة ، فهذه المحجوبة القريبة هي التي تخفى على الناس ، ولهذا قال ابن خلدون ، في عبقرية نفاذة ، عن المؤرخين واستيعابهم للأخبار وجمعهم لها : « … وأدَّوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها فالتحقيق قليل ، والتقليد في الآدميين عريق وسليل ، والتطفل على الفنون عريض وطويل … فللعُمران طبائع في أحواله ، ترجع إليها الأخبار ، وتحمل عليها الروايات والآثار … ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسَّقوا أخبارها مسبقاً … لا يعترضون لبدايتها ، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ، ولا علَّة الوقوف عند غايتها ، فيبقى الناظر متطلعاً بعد إلى اقتفاء أحوال مبادئ الدول ومراتبها ، مفتشاً عن المقنع في تباينها أو تناسبها » ص11. إن عدم إدراك مشكلة العالم الإسلامي بهذا المستوى ، هو الذي يجعل شباب العالم الإسلامي متطلعاً إلى افتقاد أحوال مبادئ المشكلة . إن ابن خلدون جعل محور بحثه عن الدول ، ولكن إدراك الموضوع على أساس الحضارة ، ينطبق عليه نفس النظر . وهذا ما يحتاج إليه العالم الإسلامي لبحثه كثقافة حضارة لا كدولة ، إذ الدولة جزء من الحضارة ونتاج لها . وما أحوج العالم الإسلامي والعالم كله ، إلى بذل ما يستحقه البحث في أصول الحضارة في هذا العصر ، كما فعل ابن خلدون ، مع اختلاف المستوى ، ولكن الروح التي بدأ بها ابن خلدون بحثه ، هي التي تجعل كل من ينظر إليه لا يتمالك من الإعجاب مع قصور كثير من أمثلته ومباحثه قال : (ولما طالعت كتب القوم ، وسبرت غَوْرَ الأمس واليوم ، نبَّهتُ عَيْنَ القريحة من سنة الغَفْلةِ والنوم .. فأنشأتُ في التاريخ كتاباً ، ورفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حِجَاباً ، وفَصَّلتُهُ في الأخبار والاعتبار باباً باباً ، وأبديتُ فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً ، فذهبت مناحيه تهذيباً ، وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريباً ، واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً ، وطريقة مُبْتَدَعَةً وأسلوباً ، وشرحت فيه من أحوال العُمران والتمدن ، وما يعرض في الاجتماع الإنساني عن العوارض الذاتية ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ، ويُعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها ، حتى تنزع من التقليد يدك ، وتقف على أحوال من قَبلكَ من الأيام والأجيال وما بعدك ) . ص 11 .