ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
من Jawdat Said
من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس إن الله سيغير ما بالقوم حتما ً ، إن هم غيروا ما بأنفسهم ، سنَّة الله : « فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً » فاطر - 43 . إذ أن هذا التغيير الذي يحدثه الله في القوم ، من نوع التغيير الذي يحدثه الله من الحرق عند السقوط في النار ، والغرق عند الرسوب في الماء . وهنا وإن كنا ندخل في موضوع كلامي ، لا حرج أن نبين أن علماء الكلام اختلفوا في : هل النار هي التي تحرق ، أم أن الله تعالى يحدث الحرق عندها ؟ وهل السكين هي التي تقطع أم أن الله يحدث القطع عند حز السكين ؟ … الخ . ليس المهم الآن بحث هذا الموضوع بهذا الشكل . وإنما المهم أن نعرف أن من سنَّة الله تعالى ، أن جعل المادة القابلة للاحتراق تحترق حين تقع في النار ، وأن يخلق الشبع عند تناول الطعام ، والشفاء مع الدواء ، والإنبات عند توفر الشروط للبذرة . فصفات المادة من صنع الله تعالى ، فصفة الذَّرة وصفة مركباتها ، هذه الصفات والسنن من خلق الله . وهذه الصفات الموجودة في عالم الصغائر والمركبات الميتة منها والحية ، كل هذه الصفات من صنع الله ، الذي وضع لها سننا لا تتغير ولا تتبدل . لماذا ؟ وليس من مهمة العلم والعقل أن يفهم العِلَّة في هذا ، أي عِلَّة لماذا تشكل الماء مثلا من الهيدروجين والأوكسجين بالذات دون غيرها . أن جدوى البحث في هذا المجال قليل ، كما يظهر لنا . ولعل قوله تعالى : « يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة … » القصص - 68 - إنما يتناول مثل هذا السؤال وما يشبهه . الطب التجريبي : (فالعالم الذي سار بالتحليل التجريبي إلى الحتمية بالنسبة لظاهرة ما ، لا جرم يرى في وضوح أنه يجهل هذه الظاهرة في علتها الأولى ، وإن كان قد بسط سلطانه عليها . فهو يجهل الأداة التي تعمل وتتصرف ، وإن يكن يستطيع الانتفاع بها » ص 85 . فالاتجاه إلى هذا الأمر في التفكير غير مجد . ولكن السؤال عن كيف ؟ كيف نحصل على الماء ؟ وكيف نصنع النار ؟ وكيف نربي الإنسان ونعطي له أخلاقاً ؟ وكيف ننشئ المجتمع الصالح ؟ … فهذه أسئلة مفيدة ، لأن معرفة الإجابة عنها ، تجعل للإنسان سلطاناً على الكون المسخر له . لهذا يأمرنا الله أن نسير في الأرض ، وننظر كيف بدأ الخلق : « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بَدَأ الخَلْقَ » العنكبوت - 20 - . لأن معرفة كيفية تكُّون الخلق تظهر سننه ، ومعرفة هذه السنن ، هي التي تعزز سلطان الإنسان على هذا الكون المسخر له . ما الغاية ؟ وهنا سؤال ثالث هو : ما الغاية من الخلق ؟ قد يتفاوت الناس في إدراك الحِكَمِ والأهداف ، وهذا السؤال لا يقال عنه أنه لا جدوى منه ، بل هو قصد أهل العلم والحكمة ، وأن خفي ذلك على كثير منهم : « يؤتي الِحكمَةَ من يشاء ومن يؤت الحكْمَةَ فقد أوتي خيراً كثيراً » البقرة - 269 - . ليس من مهمة البشر خلق السنن ، أنهم لا يقدرون على ذلك وإنما على البشر أن يكتشفوا هذه السنن ، وأن يجتهدوا في البحث عنها شوقاً إلى كشفها والاستفادة منها ، وأن يشكروا الخالق المنعم بها . فهذه الصفة التي يثبتها الله تعالى للنفس ، من إمكانية أن يغير الناس ما بهذه النفوس ، هي من صنع الله ومن إلهامه . وتتولد من الأفكار التي يضعها البشر بالنفس ، صفات تتعلق بالقوم ، وهذه الصفات أيضاً من خلق الله تعالى ، كالغنى والفقر والعزة والذلة … فهذه الصفة الفريدة للنفس الإنسانية هي التي وصفها الله بقوله : « ونفس وما سواها ، فألهمها فُجُرها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها » الشمس - 8،10 . إن الله ألهم النفس البشرية فجورها وتقواها ، ولكن الإنسان هو الذي يزكي فيفلح ، ويدسي فيخيب . فكما أن اجتماع الذرات المختلفة بنسب معينة يعطي مركبات خاصة مختلفة . كذلك فان اجتماع الأفكار المختلفة بنسب معينة ، تعطي الإنسان والمجتمع مسلكية معينة متميزة . ويجدر بنا في هذا المقام ، أن نلفت النظر إلى أن الله جعل للإنسان سلطاناً على تغيير ما بالنفس ، الذي هو مجال جهد الإنسان الذي نحن بصدد البحث عنه ، والذي نريد أن نقيم الأدلة والبراهين عليه . وفي الواقع إن الذي جهل هذه الحقيقة ، ووضع في نفسه فكرة غامضة أو مخالفة لهذه الحقيقة ، لا شك أنه يحل به الكسل والخمول ، والعجز والجبن ، وهذا ما كان يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللهم إنَّي أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل » فهذا الدعاء ، والتوجيه به إلى الله ، يجعل الإنسان حذراً من أن تحدُثَ لديه أفكارٌ تنتج الكسل والخمول ، فإن لم يحذر هذه الأفكار ، فهو كمن يرفع يديه إلى السماء يقول : يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وغذَّي بالحرام » .. فإن كان غذاء نفسه وعقله ، من نوع الأفكار الجاهلية والخرافية التي تبطل جهد الإنسان وتسيء الظن بالله ، بالاعتقاد بأن الله لم يعط هذا الإنسان الإمكانيات الملائمة ، إن كان كذلك فأنى يستجاب له ! لقد جعل الله هذه الصفات (الكسل والخمول … ) تتولد ذاتياً من تلك الأفكار الخرافية والجاهلية . ولكن الله تعالى بِمَنِّه وكرمه جعل لنا سلطاناً على تلك الأفكار ، كما جعل سلطانَنَا على الحديد والنار ، فهذا هو التكريم الحق لابن آدم . وهذه الرابطة بين ما بالقوم وما بالأنفس رابطة ينبغي أن نستحضرها في كل الأمور ، لأنه في اللحظة التي تختفي فيها هذه الرابطة ، لا يمكن إلا أن نكون جبريين شئنا أم أبينا . فنكون من الذين ينكرون جهد الإنسان وسلطانه . وهذا الإنكار متفاوت إذ لا يكفي أن نعترف بعدة خطوات من جهد الإنسان ثم نقطع رجليه في بقية المراحل . وإنما ينبغي أن نسير به إلى المدى الذي أعطاه الله له . فإذا خفيت علينا الرابطة بين ما بالأنفس وما بالقوم ، وخفي علينا سلطان الإنسان على ما بالنفس ، حين ذاك إمَّا أن نكون جبريين نلقي خطايا البشر على الله ، وإمَّا أن نكون غير معترفين بنعمة الله على البشر ، والتي تستوجب الحمد والشكر ، والتسبيح والتقديس لمالك الملك ، واهب القوة مكرم الإنسان ، سبحانه وتعالى عما يشكرون . وسنوضح ذلك فيما يأتي بإذن الله تعالى .