لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٣٠، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

اذهب إلى: تصفح, ابحث

من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))

لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين تغيير القوم ، وتغيير الله ، لا بد من توفرهما جميعاً ، ليتحقق التغيير . كما لابد من أسبقية التغيير الذي يحدثه القوم . ألا أن بين هذين التغييرين ترابطاً ، فإذا وقع التغيير الذي يخلقه الله ، دلَّ ذلك قطعاً على أن التغيير الذي يقوم به القوم ، قد سبق أن حدث ، لأن الله تعالى اشترط هذه الأسبقية . كما أنه إذا تحقق التغيير الذي تقوم به القوم ، فإن التغيير الذي يخلقه الله سيتم على أساس وعد الله تعالى الذي لا يخلف الميعاد وسنته التي لن تجد لها تحويلا . ولكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا التعهد إنما هو في مجال القوم - أي الجماعة أو المجتمع - لا في مجال الفرد ، وفي مجال الدنيا لا في مجال الآخرة . كما أنه لا يلزم أن يحدث التغيير للفرد الواحد إن غير ما بنفسه ، وإن كان يمكن أن يحدث ذلك في بعض الأمور الخاصة مثل السلوك الفردي ، وعلى كلٍ فإن هذا الوعد أو هذه السنة في هذه الآية سنَّة اجتماعية ، لا سنَّة فردية . وعلى هذا الأساس ، فكل تغيير يحدث لما بالقوم سواء في الوعي ، والصحة ، والاقتصاد والسياسة والنصر والعزة ، وسائر صنوف النعم والنقم ، يتضمن هذا التغيير ، تغييرين : تغيير القوم ، وتغيير الله . وبعد بيان هذا التلازم بين التغييرين ، في أن حدوث أحدهما يلزم حدوث الآخر كنتيجة حتمية ، لأن الله هو الذي خلق هذه النتائج من تلك الأعمال ، وأن حدوث هذه النتائج فورية ، كسنن الطبيعة التي أودعها الله في الكون المادي . فالإنسان هو الذي يفعل الأسباب بتمكين من الله تعالى له : « ولقد مَكنَّاكُم في الأرض » الأعراف - 10 - . والله تعالى هو الذي يخلق النتائج ، لأن الإنسان لا قدرة له على خلق النتائج ، وإنما مجال الإنسان يتمركز في الاستفادة من السنن الموضوعة . ويمكن أن نفهم هذا الموضوع بوضوح في قوله تعالى : « أفرأيتم ما تُمْنُوْنَ أَأَنْتُم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ .. أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أن نحن الزارعون ؟ » الواقعة - 64 . هنا أثبت الله للإنسان عملاً ، وأثبت لذاته خلقاً ، ولكن هذا لا يتم إلا إذا عمل الإنسان ما يخصه من العمل مهما كان تافهاً . « أفرأيتم ما تُمْنُوْنَ » إن الإنسان يقوم بهذا ، ولكن ليس هو الذي يخلق ، ولا هو الذي وضع السنن ، والذي يقوم به الإنسان شيء بسيط ولكن الله تعالى يحدث هذه النتيجة - من الخلق العجيب - من ذاك العمل البسيط . « فتبارك الله أحسن الخالقين » المؤمنون - 14 - . وهذا مثال مقرب في التمييز بين عمل الإنسان وخلق الله . وكذلك الزرع ، فإن الإنسان يغرس ولكن سنة الإنبات ، وسنَّة صنع الثمار ليست من قدرة البشر ، وإنما يقوم الإنسان هنا أيضاً - كما في كل الأمور التي يقوم بها - بعمل بسيط جداً مثل غرس النبات ، والله بعد ذلك هو الذي يخلق تلك النتائج البديعة . فهذا مثل قرآني قريب واضح لكل واحد من الناس ، ويمكن لأبسط إنسان أن يمارسه لأنه يقع تحت ملاحظته . وهذا المثل القرآني يُطمئِنُ قلب المؤمن إلى صدق هذه القاعدة ، ذات الأهمية البالغة فيما أنيط بالإنسان من أمانة ومسؤولية في مصيره كمجتمع في الدنيا ، وفي مصيره كفرد في الآخرة . وبعد هذا نقول : إن ما ورد في القرآن من حديث عن التغيرات الاجتماعية التي تقع للمجتمعات ، لا يذكر الله دائماً في كل موضع التغييرين ، وإنما شأن القرآن أن يذكر أحياناً التغييرين معاً كما في هذه الآية : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » . وآيات أخرى كثيرة مبثوثة في القرآن مثل قوله تعالى : « فبما نَقْضِهم مِيثاقَهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية » المائدة - 13 - . شيء أحدثوه في نفوسهم من الاستخفاف بالميثاق فنتج عن ذلك أن جعل الله قلوبهم قاسية . وكذلك قوله تعالى : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - . ففي هذه الآيات جمع الله بين عمل القوم وما خلق الله فيهم نتيجة ذلك . ولكن قد يرد في القرآن أحياناً ذكر أحد التغييرين دون الآخر ، سواء كان المذكور التغيير الذي يخلقه الله ، أو التغيير الذي يحدثه القوم ، ويفهم من ذلك ضمناً التغييران معاً إذ الترابط بينهما واضح . فمثلاً في قوله تعالى : « والله لا يهدي القوم الظالمين » البقرة - 258 - . في هذه الآية ذُكر التغييران ، التغيير الذي يخلقه الله تعالى من عدم الهداية ، والتغيير الذي يحدثه القوم من نظراتهم التي تُهوِّن عليهم ارتكاب الظلم ؛ أي أن الله لا يغير ما بقوم من الضلال ، حتى يغير القوم ما بهم من الظلم ، أو ما بأنفسهم من الظنون والأفكار التي تسهل عليهم ارتكاب الظلم . والذي يريد أن يجعل من هذا القاعدة القرآنية ، قاعدة مطردة ، عليه أن يستحضر دائماً - وخاصة حين يكون الحديث عن المجتمعات وما يحدث لها - تَضمن التغييرين في كل موطن يتوهم فيه الاقتصار على أحدهما . فإذا جاءت آية تقول : إن الله أنعم على قوم ، وأعزهم ونصرهم ورزقهم من الطيبات ، فمعنى ذلك أن عند هؤلاء الأقوام في أنفسهم ما يوجب ذلك ، وكذلك الأمر بالنسبة لما يحيق بالبشر من النقم ، وما ينزل عليهم من المصائب فلا ينزل شيء إلا بإذن الله ، وإلا بما كسبت أيدي الناس . وهذا الاستحضار الذي حرصنا عليه ، هو نفس ما دعا إليه وفعله ابن كثير في تفسير قوله تعالى : « ختم الله على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة » البقرة - 7 - . فسرَّ ألنُ كثير الخَتْمَ : بالطبع نقلا عن السُدِّي ثم قال : وقال ابن جرير وقال بعضهم : إنما معنى قوله تعالى : « ختم الله على قلوبهم » إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعُوا إليه من الحق . كما يقال : إن فلاناً أصم عن هذا الكلام ، إذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبراً . وقال ابن جرير : وهذا لا يصح لان الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم . قلت : - يعني ابن كثير نفسه - وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما ردَّه ألن جرير هنا . وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفةٌ جداً ، وما جرَّأه على ذلك إلا اعتزاله ، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيحٌ عنده ، يتعالى الله عنه في اعتقاده . ولو فهم قوله تعالى : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - . « ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون » الأنعام - 110 - . وما أشبه ذلك من الآيات الكريمات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم ، وحال بينهم وبين الهدى ، جزاءً وفاقاً على تماديهم في الباطل وتركهم الحقَّ ، وهذا عدلٌ منه تعالى وحَسَنٌ ، وليس بقبيح . فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال ، والله أعلم . وقال القرطبي : « وأجمعت الأمة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازة لكفرهم … » . وهذا التحليل الذي رد به ابن كثير على الزمخشري ، يُقررُ بوضوح القاعدة التي نريد أن نثبتها هنا ، من أن الختم الذي هو من عمل الله ، نتيجة طبيعية للزيغ والكفر ، الذي فعله الإنسان بناء على ما بنفسه . وعلينا أن نتذكر هذه العلاقة في كل موطن . وكما أن القرآن أحياناً أخرى يذكر عمل الله وعمل القوم معاً وبوضوح وتفصيل ، فهو أحياناً أخرى يقتصر على أحدهما ، على أساس أنه يستلزم حدوث الآخر ضمناً ، وهذا ما ذكره ابن كثير ، حيث أن هذه الآية اقتصرت على ذكر عمل الله في الظاهر . لهذا استشهد بآيات أخر ذُكر فيها العَمَلانِ بالتفصيل . ومن الآيات التي توقع في شبهات كبيرة - وذلك حين يَغْفُلُ الإنسان المسلم ، عن هذه العلاقة بين تغيير الله وتغيير القوم - قوله تعالى : « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير » آل عمران - 26 - . ففي هذه الآية لم يذكر الله إلا إيتاء الملك ونزع الملك ، وإيتاء العزة وإنزال الذل ، وقد ربط هذه الأمور بالمشيئة دون أن يذكر عمل الإنسان . ولكن مشيئة الله ليس لنا أن نحددها نحن ، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد ذلك فهو يقول : « وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً ، يدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً » الإنسان - 31 - إنه يدخل من يشاء في رحمته ، ولكن الظالمين أعد لهم عذاباً أليماً . فإذا حاول البعض أن يفسر مشيئة الله كما يريد هو ، يُردُّ عليه بأن هذه المشيئة ؛ هي المشيئة التي على أساسها وضع الله سنة الاجتماع البشري في قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » والتزام هذه القاعدة ، ورد المسلمين إليها ، أمرٌ جوهري في عملية التغيير . كما أن من المفيد أيضاً في هذا الموضوع ، تفهم القاعدة التي يقررها ابن تيمية كثيراً ، من أن مشيئة الله قسمان : 1- مشيئة كونية . 2- ومشيئة شرعية . فالمرض مشيئة كونية يمكن للإنسان أن يبطلها لاتخاذ الأسباب . والزكاة مشيئة شرعية ولا يجوز مخالفتها أو التحايل عليها . ومن الخطأ البالغ ، أن يُظن أن الله يؤتي المُلك لقوم لم يهيئوا أنفسهم لذلك ، كما أن العزة والذلة لا يوزعها الله جُزافاً . والخطأ في الموضوع منشؤه ؛ ظن أن الله مثل طغاة البشر - حتى ليس مثل عادليهم - يوزع ملكه كما يفعل الظالمون . تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً . بل الله أحكم الحاكمين . وإظهارُ هذه الحِكْمة واجب الذين أُخذ منهم الميثاقُ حين آتاهم الكتاب أن يبينوه للناس ولا يكتمونه . وكما قال ابن كثير عن الزمخشري لو أنه تذكر قوله تعالى : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - لما وقع في هذه المشكلة . كذلك المسلمون ، الذين يقعون في رؤية مشكلة المشيئة مبتورة ، ولو أنهم رجعوا إلى السنن التي وضعها الله تعالى في قوله : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد - 11 - بشمولها وإحاطتها ، لكان عصمةً لهم من الزيغ ، في نسبة الفوضى وعدم المعقولية إلى الله ، حين يقفون حيارى في تفسير الأحداث . ولا يغرنك منهم تنزيه الله عن النقص ، إذ أن الموضوع مشوش في أذهانهم . ومشيئة الله هي ؛ تمكين الناس من تزكية أنفسهم وتدسيتها ، وليس تمكينهم من أحدهما فقط . وقد يأتي على الإنسان وقت يفقد فيه هذه القدرة ، بعد أن يفسدها ، فيطبع الله على قلبه ، ويعجز عن العودة والاهتداء ، فيحق عليه قوله تعالى : « ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا » الكهف - 17 - . وهذا المعنى هو محتوى خاتمة آية التغيير في قوله تعالى : « وإذا أراد الله بقوم سُوءاً فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ » الرعد - 11 - . وهذا واضح في حديث الفتنة التي تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً . إذ يكون الإنسان في البدء قادراً على التزكية والتدسية ، ولكن بعد أن تفسد فطرته ، قد يعجز عن أن يملك دائماً تلك الحرية والقدرة على الاختيار التي كان يملكها . وصيرورة هذا الإنسان على هذا الشكل ، إنما بسعيه ، وليس لأن الله فرض ذلك عليه ابتداء . قلنا فيما سبق ؛ إن الله يخلق الصفات في المادة . ونُكَمِّلُ الموضوع الآن ، بأن نبين أن الله يخلقُ الأفعال من الأفكار . فالأفكار المشوشة تتولد منها أفعالٌُ هزيلةٌ مبتورة ، ويمكن أن نرى مثالاً واقعياً على هذا في واقع المسلمين الذين طال عليهم الأمد . فمن تمكن من معرفة الخواص التي يخلقها الله تعالى في المواد ، يمكنه أن يسيطر عليها . كذلك من تمكن من معرفة الأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس ، يمكن له أن يسيطر على المجتمع . وفي الحقيقة تعتبر هذه النقطة من اعظم ما جاء به الأنبياء ، ونزلت من اجله الكتب ، وأمر من أجله بالاعتبار بسير الماضين ، والنظر إلى الأنفس . وما لم يرجع إلى المسلمين هذا العلمُ ، وهذا الفهمُ ، فستظل أعمالهم تسيطر عليها الفوضى والتدابر مع القلق والحيرة .