علم النفس الفردي والاجتماعي

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٣١، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))

علم النفس الفردي والاجتماعي نحن نسمع عن علم النفس وعلم الاجتماع ، ولكن عندما نريد أن نتعامل مع الواقع فسنلمس أموراً تختلف عن الأمر النظري المجرد ، إذ لا نجد حدوداً واضحة تفصلهما . ففي الواقع لا نجد علم النفس الفردي ، لأن هذا الفرد المنعزل الذي لا يتصل بأحد ولا يختلط به أحد أيضاً ، غير موجود في الواقع ، ولو وُجد هذا الفردُ المنعزلُ لكان أقرب إلى التوحش منه إلى الآدمية ، لأن الذي يُخرجُ الإنسان من التوحش إلى الآدمية هو : اكتسابه للخبرات منذ نشأته وهو طفل ، ومنذ نشأة المجتمع ، وهو بعد لا يجد في نفسه الدافع إلى ستر عورته ، فتجمعت لديه خِبراتُُ الأجيال وتراث النبوات . فالناشئ لا ينشأ في فراغ بل مع تراث طويل العمر معقد . ولكنهم حين يقولون علم النفس ، فإنهم يبحثون عن استعداد الإنسان الفرد لتلقي مفاهيمه من المحيط والتكيف معه . وهذه الاستعدادات كلها لا تجدي شيئاً خارج المجتمع . وليس هناك علم نفس فردي كحقيقة واقعة ما دام استمرار الجنس البشري لا يتم إلا بالتزاوج ، والحياة الاجتماعية تتدرج لدى الكائنات الحية على حسب رقيها . فالسلحفاة تضع البيض ولا صلة لها بعد ذلك بصغارها فهي لا تحضن البيض ولا ترعى الصغار … والطير ترقد على البيض وترعى الصغار والحيوانات اللبونة تكتسب صغارها الخبرة من آبائها بالعشرة . (وهذا التدريب الذي يمارسه الوَلُوْدُ الحادبُ على أولاده ، قد أثار في العالم استمراراً جديداً للوعي ، ولم يُقدر الإنسان قيمة هذه الفكرة إلا في العصر الحاضر)(1) . فغريزة الحنو والحدب عند الحيوان والإنسان ، تشكل مطلق الحياة الاجتماعية وهي ترتقي عند الإنسان لتصل إلى مرحلة الإيثار ، والتي هي أساس الحياة الاجتماعية الراقية « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » الحشر – 9 - . والإنسان أطول المخلوقات حضانة ، ويمتص في طفولته تراث الأجيال . ومن هنا كانت مرحلة الطفولة ذات أهمية بالغة في التكيف مع نمط معين من الحياة الاجتماعية ، بقيمها وتقاليدها ، ذلك أن أثر البيئة شديد على تكوين الإنسان . وهذا هو ما يشير إليه حديث : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه » فالمجتمع هو الذي يعطي للفرد الذي ينشأ فيه قيمة وموازينه . والاهتداء إلى السنن والقوانين ، التي تَدْمِجُ الرفد بالمجتمع يجعل للإنسان سلطاناً على صنع المجتمع ، وصياغة الفرد الذي ينشأ فيه . كما يُحقق المجتمع بهذه السنن حالة الـ (نحنُ) ، أي شعور الفرد بالكيان الاجتماعي الذي يندمج فيه . وبالرغم من اختلاف هذه الكيانات في أشكالها ، فإن سننها واحدة . وقد أشرنا فيما سبق إلى عمومية السنة التي تخضع لها المجتمعات أو الأقوام ، مع إمكان اختلافها في الأشكال والنماذج . وقد قال لفين 1943 : « يجب ألا تفت في عَضُدنا تلك الصعابُ التي تعترض سبيلنا . والرأي عندي أن علماء النفس الاجتماعيين لهم الحق في أن يثقوا ويفخروا ، إلى حد ما ، بما تم في السنوات الأخيرة . فمن منا كان يجرؤ أن يتنبأ منذ بضع سنوات أننا سوف نستطيع ذات يوم أن نقيس الأجواء الاجتماعية ، ونقيس الزعماء وندربهم ، وندرس توترات الجماعة ، وعمليات التصحيح الجماعية كما هي الحال الآن »(1) . إن إدراك أثر الاشتراك في العبادة واللباس والتحية الموحدة في تكوين الشعور بالوحدة الاجتماعية ، إن هذا الإدراك يدخل هذه الأعمال تحت ضوء جديد ، ويرفع من قيمة أدائها ، ويبعث فيها حيوية جديدة . وعلم الاجتماع ككل علم ، سواء كان الفلك أو التاريخ الطبيعي أو البيولوجي ، أول ما يبرز في صورة تعارض الإيمان ، كما هو واضح فيما حدث حول الفلك وكذلك حدث لعلم الاجتماع وعلم النفس . ولقد عشت هذه الظاهرة أيضاً ، فيما يخص علم النفس والاجتماع ، إذ كان يدرسنا هذا العلم في أواسط الخمسينات في الأزهر أستاذ ذو اختصاص . ولست أدري كيف أعبر عن مقدار الفتور ، إن لم أقل النفور الذي كنا نتبادله ، إذ لم تكن لديه القدرة على أن يرينا الموضوع أنه آيات الله في الآفاق والأنفس التي تشهد لآيات الكتاب أنه الحق . وكنا أعجز منه في إيجاد هذه العلاقة بين هذا العلم وبين الدين . ومجيء العلوم في هذه العصور على هذه الصورة المعرضة عن الإيمان ، أو في صورة المُعارضَةِ للإيمان ، كان عقبة في سبيل الاستفادة منها في الوقت المناسب . وما لم يتقدم أهل الرأي والخبرة عند المسلمين لإزالة شبهة التعارض هذه – بين أي علم حق وبين الإيمان – فإن الهوة تبقى بعيدة بين المسلمين وبين الاستفادة الكاملة من هذه العلوم . ومن العوارض الخاصة بالنسبة لهذا العلم ، ما اقترن به في بدئه من اسم فرويد ، والمدرسة التي حاولت أن تفسر علم النفس حول محور دافع غريزة الجنس ، وكذا فجاجة الكتب ، وأسلوب تناولهم إما بشكل لا صلة له بالدين والإيمان ، أو بشكل يُفهمُ منه أنه يُعارضُ أحكام الدين والإيمان . وبهذا يظل الموضوع فاقداً الصلة التي تُخرجُ هذا العلم النافع من غابة التوحش التي حشر فيها . إن هذا العلم لا يزال في توحشه ولم يستأنس بعد عند المسلمين ، حتى يسخروه لتغيير ما بأنفسهم ، ولكشف ما ينبغي أن يغيروا مما بأنفسهم . كل هذه الملابسات أطالت الوقت الذي كان يمكن أن يختصر ، وأبقت الحق ملتبساُ بالباطل ، عن قصد من البعض ودون قصد من البعض الآخر . وكلما بُحثت هذه المشكلة أتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : « أنه كان في المدينة فزع ، فركب النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلفه ، فاستقبلهم وهو يقول لهم : لم تراعوا لم تراعوا …» . وبوب البخاري لهذا الحديث عدة أبواب منها : مبادرة الإمام عند الفزع ، والخروج في الفزع وحده ، والسرعة والركض في الفزع الخ …. إن كان الفزع العسكري ، يقتضي السرعة والفزع والخروج للاستبراء للناس ، فإن الغارة الثقافية ، والفزع الثقافي ، تستوجب على أهل العلم أن يكونوا أولى الناس بالخروج إليها مسرعين راكضين حتى يعودوا للناس بحقيقة الخبر ، وبجلاء الفزع . هذا وإن المفاجأة ، في الغزو الثقافي تترك وراءها من الخسائر في الأرواح ، وما يتبع ذلك من فقدان كل غال ورخيص ، أكثر مما يتركه أي غاز فاتح . بل إن أثر الغزو الثقافي أبقى على مر الزمن . وقبل أن أختم هذا الحديث ، لاسيما وقد ذكرت قصة الأستاذ الذي درسنا علم النفس والاجتماع ، والذي جاء يبلبل الفكر على نفسه وعلى غيره ، كما فعل الوليد بن عقبة والذي نزل فيه قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا … » الحجرات – 6- . أرى عليَّ أن أذكر الشيخ محمد عرفة حيث كان في محاضراته ، يحثنا على دراسة علم النفس ، كوصية يريد أن يودع فيها كل اهتمامه للشباب الذين كانوا يتلقون عنه ، وإني أذكر له هذه الوصية كلما كان البحث في مشكلة تخلف المسلمين . وكان يذكرنا أن حل مشكلة « تخلف المسلمين » لن يتم إلا إذا تمت السيطرة على سنن تغيير ما بالأنفس . كما علي أن أذكر أن لمالك بن نبي مقالاً في كتابه (في مهب المعركة) عن الأفكار الميتة والقاتلة ، أبدع فيه في تحليل العوامل السلبية التي يعانيها المسلم عند اتصاله بعالم الثقافات .