سنة مجتمع لا سنة فرد

من Jawdat Said

مراجعة ٠٩:٥٢، ٣٠ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

اذهب إلى: تصفح, ابحث

من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))

كذلك إن الآية ، حين تبين هذه السنة ، تبين أنها ، سنَّة اجتماعية لا سنَّة فردية ، بمعنى أن كلمة « بقوم » تعني الجمع أو الجماعة التي يطلق عليها أمَّة ، أو مجتمع . ولعلنا نبين معنى المجتمع إن شاء الله في المستقبل .

ولا يفهم من الآية ، قصد فرد معين ، بدليل أن الله لم يقل (إن الله لا يغير ما بإنسان حتى يغير ما بنفسه) ، ولا ما يدل على شخص فرد ، سواء كان رجلاً أم امرأة ، مؤمناً كان أم كافراً . وإنما الحديث عن قوم ، عن مجتمع ، له خصائصه بما يشمل الرجال والنساء ، الصغار والكبار ، بكل محتويات القوم أو المجتمع المعين أو الأمة .

وينتج عن هذه الملاحظة ، أنه لا يشترط أن يغير الله ما بشخص إذا غير ما بنفسه . كما أنه لا يشترط أيضاً أنه لا يغير الله بالشخص إن غير ما بنفسه ، لأن البحث ليس عن شخص معين ، وإنما البحث عن مجتمع بمعناه الخاص ، أي باعتباره كياناً واحداً . إذ أن الفرد ، يمكن أن يتغير ما به في بعض الجوانب ، إن غير ما بنفسه ، ولكن ذلك ليس دائماً في كل الأمور ، فهناك أمور خاصة بالمجتمع ، لابد من تغييرها ، حتى ينال الفرد نصيبه من هذا التغيير . وعلى هذا يكون مضمون الآية (إن الله لا يغير ما بقوم) – ما بمجتمع أو كيان اجتماعي – حتى يغير ها المجتمع ، أو الكيان الاجتماعي ، ما بأنفسهم . وبهذا نرجو أن نكون قد نبهنا إلى هذه الملاحظة التي سنحتاج إليها أثناء البحث ، لأنه يترتب عليها أمور ، قد يحدث بدونها اختلاط وعدم وضوح ، ويتوقف في قبول النتائج التي نريد أن نصل إليها .

ولكي نقرب الموضوع إلى الأذهان أكثر نقول : إن الله تعالى يقول : « إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مشتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين » الأنفال – 66 - .

نفهم من هذه الآية أن صبر عدد قليل كعشرة أمام ألف لا يشترط إحراز النصر ، فكأن الآية تتحدث عن توازن في الكم والكيف ضمن حدين . ويمكن الاختلاف على اعتبار أن العدد لا مفهوم له . ولكن الذي لا يمكن الخلاف عليه هو اعتبار التوازن في الكم والكيف ، وزيادة الكم حين يضعف الكيف ، وهذا واضح في قوله تعالى : « الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين » ، بعد أن كانوا يغلبون ألفاً .

فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي يحرزه المجتمع ، أو الأمة المخاطبة بقوله : (منكم) لا يتم بثبات فرد ، أو بأن يكون ما بنفس فرد قد تغير ، إذ لا بد من ثبات عدد معين ، له حد أدنى وأعلى ، وإن كانت آية الأنفال هذه تحدد الكم ، وتدخل عامل الكيف ، الذي جاء بحثه في موضوع خاص ألا وهو الثبات في المعركة . إلا أن هذه الخصوصية ليست محصورة في المعركة القتالية ، فمعارك الحياة كثيرة ، فمعركة بناء المجتمع كذلك تحتاج إلى التوازن نفسه .

ونَذْرُ الإنسان نفسه ، وما وهبه الله من قوة وعمر في سبيل فهم مشكلات المسلمين ، يشمل كذلك نفس التوازن ، سواء ذلك في بناء الفرد والمجتمع .

ومعركة التعامل مع سنن الله على أساس الوعي ، أمر يشمل الكافرين والمؤمنين ، وأن الفقه لسنن الله يعطي النتائج حتى للكافرين ، ولها لما قال تعالى : « يغلبوا ألفاً من الذين كفروا » أعقبه بقوله « بأنهم قوم لا يفقهون » فهذا يدل على تدخل فقه الكافرين أيضاً ، كماً وكيفاً ، ولاسيما الفقه لسنن الحياة الدنيا كما سنبحثه فيما يأتي ، لأن الله يمد المؤمنين والكافرين : « كُلَّاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً » . الإسراء – 20 - .

وهذا النظر إلى الموضوع يبين ، خطورة أن يبقى في المجتمع أعداد ، مهما كانوا قلة ، لا يتمتعون بالوعي التام لقضايا المجتمع . وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكافي ، أو الحد الأدنى ، من الذين يعون الأمور على هذا الأساس من النظر . وإدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة ، يولد لدى المجتمع شعوراً بالخطر ، أن يكون المركب الذي يسير بالمجتمع ، يحتوي على نماذج لا تعرف سنن طفو الأجسام على الماء ، فيسعون بحسن نية، أو سوء نية ، لخرق السفينة ، كما ورد في الحديث الشريف الصحيح .

علينا أن ندرك ؛ أن التوازن الدقيق في وعي المجتمع ، يتأثر كما يتأثر توازن المركب ، بحيث لو أن ذبابة وقعت على طرف المركب ، أثرت في توازنه مهما كان التأثير ضئيلاً . كما أن الجسم الإنسان نفسه ، قائم على مثل هذا التوازن الدقيق في عوامل الصحة والمرض ، فالغدد في الجسم تفرز – حسب الحاجة – الإفرازات . إلا أن المجتمع لا يفرز بالغريزة ، الوعي ذاته ، بتنظيمه . وهذه مهمة عقل المجتمع ، الذي يعتبر كل فرد فيه مسؤولاً . وتتعاظم المسؤولية على قدر ما يتوفر للمرء من فرص في تحصيل ذلك وتنفيذه .

هذا ونلاحظ أن مثال السفينة (المادة) فيزيائي ، بينما في الجسم بيولوجي يعتمد على الغريزة ، وفي المجتمع يعتمد على العقل .

وإدراك الموضوع بهذا المستوى ، يجعل المرء يشعر بقشعريرة حين يتذكر أنه سيسأل عن عمره فيم أفناه ، هذا العمر الذي يبعثره . وسيسأل عن الإمكانات الأخرى التي أهملها وضيعها حين لم يسع إلى تحويل ما أودع الله في نفسه من إمكانيات بالقوة إلى إمكانيات بالفعل . ومثال الشيء الذي عنده الإنسان بالقوة : الاستعداد الموجود عنده لتعلم القراءة والكتابة . ومثال الشيء الحاصل عنده بالفعل : هو تحول هذا الاستعداد إلى واقع عملي حين يصير هذا الإنسان قارئاً وكاتباً عن طريق الجهد الذي يبذله للتعلم . وكذلك سائر الاستعدادات الكامنة في الإنسان .