دليل العلم
من Jawdat Said
ما البرهان على أن فكرة ما، علم؟
البرهان على ذلك أمران: التنبؤ والتسخير، [ثم العاقبة].
محتويات
أما التنبؤ فهو
أن يُفعل في الثاني ما فُعل في الأول، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية. فإذا علمنا ما سيُفعل في الثاني على أساس معرفة الفعل الأول، كنا على علم … فإذا عرفت الشروط الماضية وبدأت هذه الشروط تتحقق مرة ثانية فنحن نتنبأ بأن ما سبق أن حدث سيحدث مرة ثانية. وإذا صح التنبؤ فوقع الثاني كما توقعناه على أساس ملاحظاتنا السابقة، فذلك دليل على أن الأمر علم.
ففي عالم الفيزياء - مثلاً - نحكم على الحديد بأنه يتمدد بارتفاع درجة الحرارة وذلك بناء على رؤية سابقة للموضوع. وفي عالم المجتمع - وهو ما يهتم به القرآن ويكرر الحديث عنه - نحكم على المجتمع بأنه سيفقد الاستقرار والنمو، وستحل به النكبات والمصائب حن ينحرف عن الصراط السوي، وتفتقد فيه العدالة ويقتصر تطبيق القانون على بعض الناس فقط، وهذا الحكم إنما كان بناء على معرفةٍ للتاريخ وأحوال المجتمعات والأمم، وذلك ما يلح عليه القرآن الكريم حين يقص أخبار الأمم السابقة، وأحوال الكفار، وأحداث المجتمعات التي يذكرها أحياناً موجزة أو مفصلة. وغاية القرآن من ذلك أن تترسخ السنة في نفوس المؤمنين، وأن يفهم الناس أن الآخر سيُفعل فيه ما فُعل في الأول حين يسير في طريقه. وكل تلك القصص والأخبار تتلوها تعقيبات تؤكد هذه السنة والقاعدة التي صارت علماً: (وهل نجازي إلا الكفور) (سبأ / 17) (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (الرحمن / 60) ( أ كفركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر..) (القمر / 43) (ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين) (المرسلات / 16 - 18) (وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء / 88) (فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلاً) (فاطر / 43).
وهذه الآيات التي تؤكد حتمية قانون الله وسنته، يجب ألا يفهم منها أنها تنفي سلطان البشر على التحكم بسير المجتمعات. فسنة الله في المجتمعات قائمة على مبدأ أساسي في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد / 11). وهذا المبدأ يجعل مصير البشر بأيديهم وثمرة لأعمالهم (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) (الروم / 36). (كل امرئ بما كسبت رهين) (الطور / 21) (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) (البقرة / 134).
وأما التسخير
فيتم حين يعلم الإنسان السنة وأنها تتكرر ولا تتبدل فيستطيع أن يتدخل فيها ويوجهها إلى حيث تفيده. وكلما كان التسخير عاماً وتاماً كان العلم في هذا الموضوع عاماً وتاماً.. إن برهان العلم التنبؤ والتسخير..
ولا نقصد بالتنبؤ النظرية المجردة؛ فالنظرية أو الفرضية: هي وضع احتمال يتبادر إلى الذهن أنه سبب الظاهرة التي ندرسها، فإذا تحقق ذلك الاحتمال في الواقع صارت الفرضية علماً، وهذا هو التنبؤ الذي هو دليل العلم. والموضوع درجات:
فرضية ثم ثبوت الفرضية في الواقع وتحولها إلى علم، ثم بسط السيطرة على العلم لجعله في خدمة الإنسان وصالحه.
إن التنبؤ قبل التسخير؛ فالمتنبئ الجوي يتنبأ بقرب المتغيرات الجوية من رياح وأمطار وما ينتج عنهما. إن هذا التنبؤ الذي تثبت الأحداث صدقه، يساعد الإنسان على أن يتهيأ لاستغلال منافعه وتجنب مضاره. وآباؤنا كانت لهم وسائل للتنبؤ عن الجو من سلوك الحيوانات وكل الغيوم إلى آخره، وإن لم يكن في تنبؤاتهم دقة إلا أنهم كانوا يتلمسون السنة. فمثلاً كانوا يقولون: إذا جاء الشتاء قارساً يكون الصيف حاراً، إلا أن عدم التلازم في كل السنوات كان يفقد التنبؤات دقتها. واليوم حين يتنبئون عن الجو قبل يوم أو يومين بالنظر إلى صور الأقمار واتجاه المنخفضات الجوية ومرتفعاتها وسرعاتها، يجد الإنسان القرب إلى الدقة، ويطمع أن يتنبأ بأحداث الجو مدة أسبوع أو أسبوعين (يخلق ما لا تعلمون) (النحل / 8). فنحن لا قدرة لنا على صنع التقلبات الجوية ولكننا نحاول الاستفادة منها وتوقي مضارها، ولكن قد يتحول هذا التنبؤ إلى تسخير كتسخير الأرض في الزراعة والصناعة وكذلك النبات والحيوان والمعادن.
العاقبة: كبرهان للعلم المتعلق بسلوك الإنسان
كما أن التنبؤ الذي يصدقه الواقع الآتي يكون دليلاً للعلم، وكما أن التسخير دليل للعلم، فإن العاقبة دليل للعلم.
التنبؤ والتسخير دليلان على العلم في عالم الطبيعة، في الفلك والفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان، وليس معنى هذا أن التنبؤ والتسخير لا يدخلان في الحكم على المجتمع وقيمه وأخلاقه، فالتنبؤ والتسخير يدخلان كبرهانين أيضاً في الحكم على المجتمع وقيمه وأخلاقه، ولكن العاقبة كبرهان للعلم خاصة بالمجتمع والقيم والأخلاق. فالتنبؤ والتسخير وردا في القرآن الكريم عن الآفاق. فمثلاً يقول الله تعالى عن الشمس والقمر والليل والنهار: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً) (الإسراء / 12). فإن معرفة عدد السنين والحساب يدخل في علم الفلك، فمقادير سيرهما الثابتة فيما مضى تنبئ عن مدة ما سيأتي في سباحتهما في أفلاكهما.
وأما العاقبة فخاصةٌ بقيم الإنسان والمجتمع وأخلاقه، لهذا لا يذكر القرآن العاقبة كبرهان للعلم إلا مع القيم والأخلاق مثل عاقبة المكذبين والمجرمين والمفسدين والظالمين كما في قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين) (القصص / 83) (والعاقبة للتقوى) (طه / 132)، (عاقبة المكذبين) (النحل /36).
هذه الأمور التي أُمرنا أن ننظر في عواقبها كلها أمور اجتماعية قيمية أخلاقية وليست كيميائية ولا فيزيائية ولا طبية وإنما عواقب قيم اجتماعية عامة، وهذا يدل على أن العاقبة برهان على صحة وسلامة وعلمية وسننية القيم الأخلاقية.. ولم يذكر القرآن الكريم عاقبة المال والسلاح والسفن والنبات والحيوان والحديد.. لأن سنن هذه الأمور ليست بالعاقبة بل عاقبتها ترجع إلى الإنسان الذي يستخدمها في الخير والشر. وهذه نقطة مهمة لأن اشتباه هذه النقطة أدى بكثير من العلماء إلى اعتبار العلم محايداً أخلاقياً، وسبب ذلك - كما أشرت إليه بأسلوب آخر - أمران: أولهما اعتبار العلم مقصوراً على الطبيعة، واعتبار ما يتعلق بالقيم ليس علماً.. وثانيهما: عدم اعتبار العاقبة دليلاً على العلم وخاصة علم القيم..
العلم والخير والشر
إن الطبيعة وسننها ليست خيرة أو شريرة بحد ذاتها، وإنما تكتسب هذه الصفة أو تلك بحسب توجيهها بواسطة قيم الإنسان ومبادئه في الحياة. فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (مسند أحمد جـ 4 ص 197)، يمكن القول: بئس المال الحرام للرجل الظالم.. وقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط..) (الإسراء / 29). ليس نهياً عن الشيء وضده، فالتبذير والتقتير ليستا سنناً مالية وإنما قيماً أخلاقية.. لهذا اضطرت الدراسات الاقتصادية مؤخراً لدراسة الاقتصاد في إطار الحضارة أي إطار القيم.. لأن الاقتصاد هو (الطبيعة + الإنسان). وحينما يصير الشيء متصلاً بالإنسان فإنه يخضع لقيم الإنسان. فقيم الإنسان هي التي تعطي معنى الخير والشر والنافع والضار وليست الطبيعة بحد ذاتها..
فالقرآن الكريم يجعل القيم والأخلاق علماً لها سنن ثابتة، ولهذا يأمرنا بالنظر إلى عاقبة الذين خلوا من قبل وعاقبة التقوى وعاقبة المكر وعاقبة الظلم …
وإذا كان للفيزياء والكيمياء مخابر وأدوات لإثبات سننها وتسخيرها، فإن التاريخ وسنن الذين حلوا من قبل وعاقبة الذين من قبلهم هي مختبر علم الاجتماع والعمران وعلم القيم والحضارات.. ولقد تنبه محمد إقبال إلى هذا فقال: (ولهذا كان من بين ما يُحكم به على قيمة دعوة النبي ورسالته، البحث عن نوع الرجولة التي ابتدعتها، والفحص عن العالم الثقافي الذي انبعث عن روح دعوته)خطأ استشهاد: إغلاق </ref> مفقود لوسم <ref>