خفاء العواقب المؤجلة أو إخفاؤها
من Jawdat Said
يسهل على الناس تناسي العواقب المؤجلة، وحين يتمتع السارق بما سرق؛ يتعزز عمله ويصعب عليه أن يكشف عواقب عمله عليه وعلى المجتمع، وكذلك يتعزز من يقوم بغارة ناجحة لاستلاب أموال الناس، تعزّزه الفوائد والمتع السريعة التي يجنيها من عمله، ولكن ما يقوم به من ترسيخ قانون السلب والنهب يعود عليه بالهلاك.
صحيح أن المستعمرين الذين يتمتعون بالقدرة على السلب، حصلوا على منافع أمتعتهم وأغرتهم أيضاً، ولكن الامتحان الصعب يكون بالتمييز بين المنافع العاجلة التي حصلوا عليها، وبين الأضرار المؤجلة التي تعيق مجيء عهد الإصلاح، وتؤخر إزالة الفساد من الأرض أو تقلله.
نقلنا فيما سبق كلمة فوكو التي قال فيها: « كل شيء يجري كما لو أنه أريد محو حتى علامات ظهوره (أي ظهور اللوغوس أو المعرفة) ضمن ألاعيب الفكر واللغة. يوجد في مجتمعنا، وفي كل المجتمعات الأخرى كما أتصور، لكن حسب أوجه وتقطيعات مختلفة، خوف عميق من اللوغوس، نوع من الخوف الأصم ضد هذه الأحداث ».
ما هذا الخوف الأصم الذي يتعامى عنه الناس؟
إنهم يريدون أن يكسبوا، أن ينتفعوا، أن يجلبوا المتع، بطريق سهل ومختصر، ولكن العواقب المؤجلة تخفى عليهم.
هناك خوف أصم وعميق من أن يخسروا المنافع العاجلة، وهذا الخوف العميق الأصم يخفي عليهم العواقب البعيدة المؤجلة، ويجعلهم قادرين على تجاهلها.
خوف أصم عميق ضد الأحداث التي ستظهر غباءهم، وتذهب بالمنافع العاجلة التي سيخسرونها رغم حرصهم الشديد عليها، ولكنهم في عمىً مطبق عن العواقب البعيدة والسيئة التي تنتج عن تصورهم، إنهم مثل المثال الرمزي الذي يذكره صاحب كليلة ودمنة، مثل الذي يعلق العسل الذي يجده على جدار جبّ، بينما هو معلق بحبل في وسط الجب الذي وقع فيه، والجرذان في الأعلى تقرض الحبل، وينتظره تنين في أسفل الجبّ.
إن الذين يقودون العالم الآن، حريصون جداً على إبعاد اليوم الموعود، الذي سيسقط فيه حق النقض (الفيتو)، وتعم المساواة بين الناس، إنهم يفضلون المنافع الصغيرة التي يجنونها، ولا يحسبون للهلاك القادم، ولا يبالون بالفساد الذي يغلي به العالم، ولا يعرف علاجه المعاقون عن تحصيل المعرفة، والمعيقون لهم عن تحصيلها أيضاً.
إنهم لا يعملون حساباً للزلازل القادمة التي تبخّر المنافع العاجلة، وتصب عليهم لعنات الأيام القادمة والأجيال القادمة: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ (أي في الدنيا) لَعْنَةً، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ، ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ (لمن خاف العذاب المؤجل حتى ولو كان في الدنيا) ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود: 11/98-103.
انظر كيف صَرَّفَ الله الآيات، ثم انظر كيف يُصَرِّفُها الناس!!..
هذه آيات من سورة هود التي قال فيها الرسول (ص): « شَيَّبَتْني هود وأخواتها »(1).
هل نشعر نحن بأن هوداً شيبتنا؟ هل نُحِسُّ. هل نعقل؟ هل نربط الأسباب بالنتائج؟ هل للتاريخ لدينا أي معنى؟ هل للأحداث من مغزى؟ هل تحس أيها القارئ منا من أحدٍ، أو تسمع لنا ركزاً؟ هل لدينا قدرة على أن نحرك فيك شعرة؟ هل يمكن لك أن تقرأ شيئاً يجعل جلدك يقشعر أو يُحدث لك ركزاً؟ كيف ننفخ في الصور؟ صور المعرفة وطلب المعرفة، لا صور الحرب والقتال، صور معرفة سنن التسخير وأنواعه التي ينسخ بعضها بعضاً.