المنهج والتطبيق

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٣٦، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

في هذا البحث الذي أعرضه من خلال قوله تعالى « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » ، حاولت أن أبرز جانبين رأيت لهما من الأهمية ما يجعلهما يستحقان هذا الإبراز الخاص . وقي الواقع سواء كان في كتاب ( مذهب ابن آدم الأول ) أو في هذا الكتاب ، لا أقول إني عرضت فيهما شيئا لم أسبق إليه . وإنما حاولت أن ألقي ضوءا خاصا على المواضيع التي أرى لها من الأهمية والأولوية في البحث عن غيرها ، لأني أعلم أن القارئ المسلم العادي قد يمر بهذه المواضيع ولكن لا يشعر بما لها من الأهمية . فحين تمر هذه المواضيع من خلال بحوث متشابهة في نظره ، لا يستطيع أن يعطيها من الأهمية ما تستحق ، فلهذا أريد أن أجعل عند بعض هذه النقاط التي وردت في مؤلفات أهل الثقة محطة توقف وتأمل . ولقد كان بعض الذين كنت أتحدث إليهم يشعرون بشيء من الريبة والدهشة ، حين استشهد بأقوال الثقات التي تدعم وجهة النظر هذه ، وكأن لسان حالهم يقول : لم نفهم منهم هذا الذي تقوله . وهذا بالذات ما قصدته من إبراز هذه النقاط في أضواء خاصة . والجانبان اللذان حاولت إبرازهما في هذا البحث : 1 - جانب فصل القاعدة عن التطبيق . 2 - جانب تعميم السنة . 1 - جانب فصل القاعدة عن التطبيق : إن التطبيق قد يكون قريباً من القاعدة أو بعيداً عنها بصور متفاوتة ، فالتطبيق قد يساعد على فهم القاعدة ، ولكن القاعدة بحد ذاتها لها من قوة السًنَّةِ ما يجعلها تتصف بقوله تعالى « ولن تجد لسنة الله تبديلا » أما التطبيقات فتتفاوت كثيرا . وبعبارة أخرى : التفريق بين النظرية والتاريخ ، على اعتبار أن النظرية هي القاعدة والتاريخ هو التطبيق . وبعبارة ثالثة أيضاً التفريق بين الإسلام والمسلمين ، فالإسلام سُنة وقاعدة ، والمسلمون تطبيق وتاريخ . وهم مثال على القاعدة ، ليس لهم من الحصانة ما يجعلهم يحتلون محل القاعدة . فلهذا علينا أن نفرق بين هذين الأمرين في مجال تصدينا لبحث مشكلة تخلف المسلمين . ولا أقصد من ذلك أن المثال والتطبيق لا قيمة لهما في هذا ، بل قد تستنبط القاعدة من الأمثلة ولكن كثيراً ما نضطر أن نقدم القاعدة ضمن أمثلة ولا سيما في أول الأمر . ولكن القاعدة لها من القوة أن تشمل أمثلة لا تعد ولا تحصى . ولهذا حاولت أن أفصل بين الإسلام والمسلمين ، أو بين الإسلام ديناً مُنزلاً ، وبين تاريخ المسلمين على مر العصور ، بحيث لا نظن أن تاريخ أعمال المسلمين هو الإسلام ، الذي له الحصانة والمناعة الذاتية الموهوبة له من الله تعالى . هذا الذي كنت أقصد إليه حين حاولت أن أرد المسلم إلى القاعدة الإسلامية ، بصرف النظر عن موقف الملايين خلال المئات من السنين . وهذا الموضوع لم يكن خافياً على الكتاب الكبار ، ولا أنهم لم يتعرضوا له . ولكن ربما لم يبرزوه في مؤلف خاص ، ولا حاولوا أن يمسكوا المسلم ، ويفتحوا له عينه ليقطروا له ، إذ كثيراً ما يعجز المسلم عن فهم الموضوع ، إن لم يقم الكاتب بعملية رفع الجفن ووضع القطرة في العين . وهنا استشهد بكلمة في هذا الموضوع للأستاذ سيد قطب الذي له من المكانة عند الشباب الإسلامي قلَّ أن توفرت لغيره من الكتاب . قال رحمه الله رحمة واسعة ، في التعقيب الأخير من تعقيباته على غزوة أحد ، في تفسير آل عمران : « … وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة ، التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله ، وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله . إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة . والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج ، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك ، ولك ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج ، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة . وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك ، فانه يصفهم بالخطأ ، وحين ينحرفون عنه فانه يصفهم بالانحراف ، ولا يتغاضى عن خطئهم _ مهما تكن منازلهم وأقدارهم _ ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم . ونتعلم نحن من هذا ، أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة . وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أياً كانوا _ وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه ، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف … فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص ، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنع المسلمون في تاريخهم . وإنما هو كل وضع وكل فعل صنعوه موافقا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة … وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام ، وإنما يحسب على أصحابه وحدهم ، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام … إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين ولو كانوا مسلمين بالاسم أو باللسان ، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم ، وفي أوضاع حياتهم ، ونظام مجتمعاتهم(1) . فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت ، فإذا هم خرجوا من هذا الإطار أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً فما للإسلام وما لهم يومئذ ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم تحسب على الإسلام أو يفسر بها الإسلام ؟ بل ما لهم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام وأَبوا تطبيقه في حياتهم ؟ وهم إنما كانوا مسلمين لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين ولا لأنهم يقولون بأفواههم أنهم مسلمون . وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للامة المسلمة . وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة ، ويسجل عليها النقص والضعف ثم يرحمها بعد ذلك ويَعفو عنها وَيُعفيها من جَرائِرِ النقص والضعف في حسابه وإن يكن أذاقها جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء … »(2) . هذا العرض الذي قدمه سيد لسنَّة فصل المبدأ عن التطبيق ، لضمان سلامة المبدأ ، عرض دقيق ، وواضح وضوحاً تاماً . إلا أن القارئ العادي لا يفهم منه إلا النموذج الذي تعوده من تنزيه الإسلام ولسمو به إلى مرتبة عالية من القداسة . وليس هذا مرد الأستاذ سيد ، وإنما مراده أن يفرق المسلم حين ينظر إلى تاريخ المسلمين ، بين المبدأ الإسلامي وتطبيقه ، وألاَّ يصير المسلكُ الذي سلكهُ المسلمون ، طاغيا على المبدأ الإسلامي بحيث يصبح هذا التاريخ هو الإسلام ، ونقف منه موقف من يظن أن كشف الخطأ في هذا التطبيق هو كشف لخطأ الإسلام . وبدون هذا التفريق تصير هذه الأخطاء دِيناً نضطر أن نتمسك به ، وَيُعجزُنا تقديسها عن كشف حقيقة المبدأ الإسلامي . رحم الله الأستاذ سيد … إنه بعمله هذا فتح باباً إلى حل المشكلة ، وسهل لنا تناول البحث ، ووضع هذه العلامة مَعلماً على الطريق . وعلى المسلمين الذين يهتمون بالمشكلة الإسلامية ، أن يتخذوا هذه المكتشفات التي انتهى إليها الأستاذ منطلقاً ليكملوا ما انتهى إليه . إلا أنه ينبغي أن نعرف أن الدخول إلى هذا الباب الذي فتحه ، مهمة شاقة عسيرة ، تحتاج إلى خبرة عظيمة . وهنا اشعر بالحاجة إلى التذكير بسنة من السنن . هذه السنة هي : أن إمكان تقرير السنَّة والاعتراف بصحتها نظرياً أكثر سهولة ويسرا _ مع الأسف _ من القدرة على تطبيقها تطبيقا عمليا وتعميمها . وقد سبق أن ذكرنا رأي ابن تيمية في هذا . إن هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ سيد هي من هذا القبيل ، يسهل التسليم بها كقاعدة نظرية ، ولكن صعبٌ جداً تطبيقها ، بل إن من سيقوم بتطبيق هذه القاعدة سيجد أن التسليم بها لم يقرب من حل المشكلة إلا قليلاً . لأن الأستاذ سيدا رحمه الله حين يقول : « ونتعلم من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ، وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة ، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أيا كانوا _ وألا تُبررَ أخطاؤُهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قِيمهِ وموازينه ، فهذا التحريف والتبديل أَخطرُ على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ والانحراف . » . هذه القاعدة ، سهل التسليم بها نظريا … ولكن مَن هؤلاء الذين وَصَفهُم سيد رحمه الله بكبار الشخصيات المسلمة ؟ هل نستطيع أن ندخل بالتفاصيل ونذكر بعض الأشخاص بالأسماء ؟ هنا نجد أن هذه القاعدة والتسليم بها ، لم يحل المشكلة إلا جزءاً يسيراً جدا ، لأن ذكر الأسماء وتعيين الشخصيات الكبيرة المخطئة ، يدعو إلى أن تحمر له الأحداقُ وتنتفخ له الأودَاجُ . لأن الدخول في هذا الموضوع يَفقدُ فيهِ العقلُ السَيطرةَ ، وتبدأ العواطفُ بالعمل . سهل أن أصف عبد الرحمن بن ملجم بأنه مخطئ سواء كنت سنيا أو شيعيا وكذلك سهل أن أصف معاوية بالخطأ والانحراف … إن كنت شيعياً . وفي الواقع إن تقديس التاريخ الإسلامي _ سواء وافق الإسلام أو لم يوافقه _ له من القداسة والقدرة على إبطال مجال العقل ، وإطلاق العواطف والقبض على مجال الحركة الفكرية ، وذلك عند الذين لم يستبينوا الفرق بين الإسلام ومطبقيه ، مما يبطل محاولات المصلحين في إنقاذ الإسلام ومنهجه من الأخطاء التطبيقية عند المسلمين ، والتي يشعر سيد بضرورة تخليص منهج الإسلام منها وجعل المنهج مسيطراً على التاريخ . إنَّ ذِكر أسماءِ الشخصياتِ الكبيرة التي يشير إليها ( سيد ) يوقع في مشكلة كبيرة ، ولن يتيسر ولوج هذا الباب إلا بعد غرس منهج العلم الذي يأمر به الإسلام . إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله ، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال . ويصعب علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نُجلُّها تُخطئُ وتصيب كما يصعب علينا أن نقول : هذا الرأي من قوله خطأ ، وهذا صواب . كما أننا _ عمليا _ لا يمكن أن نتعامل مع الشخصيات الإسلامية الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء ، أو رفض كل شيء . وتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس ، مثل ما تحفظ عن الإمام مالك قوله : « يؤخذ من قول كل أحد ويرد عليه إلاَّ صاحب هذا القبر ، ويشير إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم » وهذا القول مثل القول الذي يكرره سيد رحمه الله بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي سبق أن اقتبسنا منه ، ولكن تطبيقه عمليا دونه خَرطُ القَتَادِ . وليس معنى هذا أن بعض المصلحين لا يتجرؤون على ذلك ، ولكن الواقع بثقله يتحدى الأفراد المصلحين ، ولن يتيسر لنا الخروج من الخلط بين السنة والتاريخ ، إلا إذا تذوقنا أهمية السنة ، وطبيعة الصلة بين السنَّة والرجال . فالرجل ليس سنَّة ، وإنما يخضع للسنَّة ، ويسعى لكشفها وتطبيقها . ومهما كان هذا الرجل عظيماً فلن يتجاوز حد الرجل . ثم ليس مما يقلل من قيمة الرجل أن يخطئ ، وكل ابن آدم خطاء . ولكن مع أخطائه يبقى مكانه محفوظاً ، ولا يُقللُ من قيمته العملية كونُهُ لم يحط بكل شيء . ولكن حسبه أن يعطي شيئاً جديداً مهما كان يسيراً . وسيحفظ له هذا الكشف مكانه ومقامه مهما سبقهُ من جَاءَ بعده . وهذا هو التقدير الصحيح للرجال ، لا أن نرفعهم فوق ما يستحقون ، ونعطي لهم العصمة التي لم يعطها لهم الله ورسوله وأولو العلم القائمون بالقسط . وفي الواقع إن تذوق العلم وحده ، هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الصحيح لأهل العلم ، بحيث نصل معه إلى درجة نُقدَّرُ فيها العلم الذي عندهم ، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطأهم غِلاً في أعناقنا . نأخذ ما أصابوا فيه ، ونتجنب ما أخطأوا فيه دون أن نجعل خَطَأهُم تحقيراً لهم ، ودون أن نجعل صوابهم عِصمةً لهم . فهذا الموقف هو الذي يُنزِّهُ احترامَ أهلِ العلمِ مِنَ التحولِ إلى نوعٍ من الأوثَان ضرره أكثر من نفعه . وبهذا لا يتحول الأحبار والرهبان إلى أرباب . ليس هدفُنا إدانة التاريخ الإسلامي ولا تجريح شخصياته ، كما أن ما نقلناه عن الأستاذ سيد ليس هدفه أن يُزلزل ثقةَ الشبابِ بالشخصيات الإسلامية الكبيرة ، ولا أن ينزع الثقة من تطبيق الإسلام على مرِّ العصور . ولكنَّ هدفهُ أن يصبح للمسلم قدرةً على إخضاع التاريخ للمنهج بحيث يستفيد منه الفائدة المرجوة ، ويتجنب الخطأ الذي فيه لأن التاريخ يحتوي على هذا وذاك . إن موقف المسلمين الآن من التاريخ ليس موقفا صحيحاً ، لأنه لا قدرة لنا على تجنب أخطائه والاستفادة من صوابه . وعلينا أن نميز المنحرف والمخطئ ، من الأشخاص ، وأن نعرف ما هو مخطئ ومنحرف ليصير التاريخ دافعا ومحركا إلى الأمام لا غلاً على العنق يقيد العقل ويمنع من الحركة . والأستاذ سيد شعر بهذه الحاجة ، حاجة الموقف الصحيح من الرجال ومن التاريخ ، وشعر أيضا بأهمية هذا الموقف . وربما هذا الشعور هو الذي جعله يكتب عن عثمان رضي الله عنه عبارة لم يتعود المسلمون أن يسمعوا مثلها من كاتب يُعد من أهل السنة والجماعة . قال : « إنه لمن الصعب أن نتفهم روح الإسلام في نفس عثمان ، ولكن من الصعب كذلك أن تعفيه من الخطأ الذي هو خطأ المصادفة السيئة في ولايته الخلافة ، وهو شيخ موهون تحيط به حاشية سوء من أمية ذات الفطرة المشؤومة »(1) . ثم يقول بعد قليل عن الفتنة التي قامت : « ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام ، ويستشعر الأمور بروح الإسلام ، أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها أقرب إلى روح الإسلام واتجاهه ، من موقف عثمان أو بالأدق من موقف مروان ومن ورائه بنو أمية الذين لم تخالط روح هذا الدين نفوسهم في يوم من الأيام » . ويرى أيضاً أن لو وليها علي بعد الشيخين قبل أن تنمو البذرة الأموية … لو كان هذا لتغير وجه التاريخ الإسلامي وسار في طريق غير الذي سار فيه . إن المشكلة في الواقع ، إنما في تغيير النظر إلى التاريخ من خلال السنن ، وليس أن يحل التاريخ محل السنن . فحين يصير هذا النظر ثقافة في الأمة ، أعني ملكة تفهم الأمور على أساسها ، عندها نترك النزاع في خطأ رجل واحد أو أسرة واحدة . لا يكفي أن نحمل جريرة المشكلة لرجل واحد أو أسرة واحدة ، إذ المشكلة أعم من هذا . وكما أنه ليس دقيقا أن نحمل هذه التبعية رجلا أو أسرة في الماضي ، كذلك الحال اليوم . إن تعليق هذا الموضوع في رجل أو في مجموعة حلت محل أسرة ، لا يقل في عدم دقته عن السابق . إن المشكلة مشكلة نظر إلى التاريخ ، إلى الواقع البشري وما وراء هذا الواقع من الدوافع التي توجه الأحداث . إننا حين نكتسب النظرة الصحيحة إلى التاريخ ، ووضعه في مكانه ، لا يزعجنا خطأ رجل أياً كان هذا الرجل ، لأن لدينا ما يعصمنا من وضع الرجل مكان السنن . إن هذا الفهم ليس يعصمنا من خطئه فقط ، بل يجعلنا نستفيد من صوابه ، أيَّما فائدة ، متخذين الصواب الذي انتهى إليه منطلقاً لنا ، لا مكانا للوقوف عنده أو التراجع عنه . وذا الموقف هو الذي سيجعلنا نستفيد من صواب ما عند (سيد) وغير سيد . وليس عيبا على سيد أن يخطئ في بعض ما يكتب ، أو يقصر ، ولكن عيبا علينا أن لا نستفيد من صوابه والوصول به إلى المدى الذي كان يريد الوصول إليه(1) . وأن هذا ينطبق على ما أكتب وعلى من سيكتب في المستقبل . إن اكتساب هذا النظر إلى التاريخ يجعلنا نقدر ما عند الآخرين من النظريات الصائبة ، سواء كانوا مسلمين أتقياء أو غير أتقياء ، من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . بل يجعلنا نستفيد من صواب أي كاتب ، سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن ، من غير أن يختلط علينا صوابه بكفره . وإن عدم التمييز في هذا الموضوع ، يحرمنا خيراً كثيراً . عدا أنه يجعلنا نقف مواقف تدعو إلى الأسى من المحب ، والسخرية من المبغض ، حين نردُّ بعض الحقائق العلمية لعدم إيمان أصحابها نفعل هذا دون أن نشعر . إن النظر الصحيح إلى التاريخ يفيدنا من جانبين كبيرين : فهو يحررنا من عقدة الخوف من كشف الخطأ في تاريخ المسلمين . كما يحررنا من عقدة الخوف من كشف صواب في تاريخ الآخرين . إن عدم بخس الناس أشياءهم مبدأ قرآني . كما أن العدل وأن لا يجر من شنآن قوم على أن لا نعدل مبدأ قرآني . كما أن قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين » النساء _ 135 . مبدأ قرآني لنعدل في الانتصاف من أنفسنا وممن نحب هذا الحب الساذج لا حب المثل الأعلى الذي يشرف الإنسان ويرفع من قدره ويجعله يقدر الأصدقاء والأعداء ، بميزان العدل لا بميزان الهوى المبني على النظرات القصيرة . وفي الختام ليس الهدف تجريح الشخصيات أو تقديسها ، وإنما الهدف اكتساب موقف سليم بين الحق والرجل . وأن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً . لأن الحق حق فقط ، ولكن الرجل يمكن أن يكون محقا كما يمكن أن يكون مبطلا ، وبينهما درجات كثيرة . لهذا يعرف الرجال بالحق وليس العكس . وهذا الموقف لا يكتسبه الإنسان بأن تقول له ميز بين الحق والرجل ، ولكن يكتسبه من الممارسة الدائبة والسعي المتواصل . 2 - جانب تعميم السنة : وأما الجانب الثاني وهو جانب تعميم السنة : أي أن السنن الاجتماعية التي تنطبق على البشر تعم المسلمين أيضا . بل أكثر من هذا ، أن سنة الله في التفاعل مع المبادئ تنطبق على الإسلام أيضاً ، مع ما للإسلام من ميزة ذاتية كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (هذا الدين) : « هناك حقيقة أولية بسيطة … ولكنها مع بساطتها كثيراً ما تنسى أو لا تدرك فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين : حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي ، حاضره ومستقبله كذلك . إن البعض ينتظر من هذا الدين - ما دام منزلا من عند الله - أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ودون أي اعتبار لطبيعة البشر ، ولطاقاتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أي مرحلة من مراحل نوهم ، وفي أية بيئة من بيئاتهم . وحين يرون أنه يعمل بهذه الطريقة ، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة ، والواقع المادي للحياة الإنسانية يتفاعلان معه ، فيتأثران به - في فترات - تأثرا واضحاً ، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرا مضاداً لاتجاهه ، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم ، دون تلبية هتاف هذا الدين ، أو الاتجاه معه في طريقه … حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلا من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته ، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقا . وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي هو : عدم إدراك هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة … » ص 3 - 4 . هذه النقط التي أتوقف عندها من كتابات سيد وأريد إبرازها وأعتبرها من أحسن ما كتب ، ربما لا يشاركني بعض الطيبين من الشباب ويرون الأولى التوقف إزاء هذه الأفكار ، لا لفهم حقيقة ما يرمي إليه واتخاذها منطلقاً ، وإنما تردداً في صحتها أو جدواها ، بل ربما يرون فيها بعض الخطورة حيث تفتح باباً تدخل منه رياٌح باردة . يشعرون بهذه النسمات الباردة بإحساس دقيق مرهف صنعته القرون الماضية ، حين أغلقوا الأبواب على أنفسهم وشمعوها . وأرى أن الصفحة الأولى من كتاب هذا الدين من أروع ما تركه سيد رحمه الله . فعند الحديث عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في حياة البشر تبرز الحقائق التالية : 1 - حقيقة أولية بسيطة . 2 - ومع بساطتها كثيراً ما تنسى . 3 - ونسيانها ينشأ عنه خطأ جسيم . ثم يقول : وحين يذكَّرون بهذه الحقيقة : 1 - فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها . 2 - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني . 3 - أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً . ثم هذه السلسلة من الأخطاء نتيجة خطأ واحد ، وهو عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو نسيانها . ولو أن إنساناً خصص حياته كلها لبحث هذه النقاط وكشف مصادرها التاريخية وبواعثها النفسية وآثارها الاجتماعية ، وقرب ذلك للإفهام وفصلها تفصيلاً حتى يبلغ بها درجة البلاغ المبين ، لكانت هذه الحياة ، حياة مباركة طيبة . كم من حقائق قرآنية أولية بسيطة على مسمع كل أحد في قارعة الطريق ! ولكن مع هذا كله لا ينتبه إليها منتبه ! وكم من المصائب التي تسد علينا منافذ الحياة تنشأ عن هذا النسيان وعدم الانتباه ! وكم من الآلاف المؤلفة من الشباب يصابون بخيبة أمل ، أو بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني حين يكشفون الحقيقة ، لأنهم يعيشون على الوهم متقوقعين ! ثم كم من الشباب يصابون بالشك في الدين إطلاقاً ، ويظهر عليهم آثار ذلك بأساليب مختلفة ، لكل موسم ما يناسبه ، وليس آخرها أصحاب الشعور الطويلة الذين يملأون الأسواق … إنه الامتلاء بالأوهام . أجل إنها مشكلة مجتمع ، مشكلة جيل ضائع متخم بالأوهام ، ومجاعة من إدراك سنة الحياة .