المسلمون والتاريخ
من Jawdat Said
إنني أندهش كثير اً حين أكتشف أن التاريخ (أيام الله) يفهم فهماً خاطئاً ومبهجاً من قبل المسلمين، الذين يتصورون أنه مجرد أكاذيب وفواحش ودجل وخداع، ولا يعرفون أنه مختبر سلوك البشر، ومجال فرز الحق من الباطل، وميزان الفوز من الخسران.
إنهم يندهشون أيضاً حين أقول لهم: إن التاريخ ليس هو الكذب والدجل، وإنما هو المصير الذي يؤول إليه الكذب أو الصدق.
في الحقيقة هم لا يعرفون التاريخ، ولا يدركون النور الذي ينبثق من الظلمات، ولذلك فهم يعيشون في الكذب من أدنى المستويات إلى أعلاها، ويشعرون باليأس والشك والمقت والحرمان.
هذا الطغيان والدجل والكذب يحمل بعضنا على مقابلته بالانفجار والتفجير أو الكذب المقابل، ويسجل بهذا الأسلوب الانتحاري احتجاجه على الكذب.
التاريخ ليس أكاذيب ودجلاً، التاريخ هو معبد ذي الجلال والإكرام، هو محكمة الخالق العظيم التي تحاسب الناس، لا تحاسبهم على ما في أذهانهم من الأهواء والظنون، ولا على ما تخيلوه من السراب ن وعاقبة السراب لا يمكن أن تكون ماءً أو ظلاً: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) النور: 24/39، التاريخ محكمة الحساب السريع، نعم الحساب السريع في الدنيا قبل الآخرة.
إن من لا يعرف التاريخ، ولا يحدق فيه، يظن ويتوهم أنه لا يوجد حساب، ولذلك فهو بطيء محبط، أما الذي يعرف التاريخ، فإنه يشعر بمعنى سرعة الحساب، الحساب الذي نعيشه نحن في عصرنا هذا، يشعر بهذا من درس الأزمان التاريخية، والأحقاب الجيولوجية، وكيف كان سيرها بطيئاً مملاً، وكيف صار التاريخ الآن بتسارع مستمر.
كيف نأخذ بأيدي الناس إلى معبد التاريخ، إلى الخشوع، إلى الجلال والجمال، إلى إبداع الخالق العظيم، إلى نبضات القلوب، وإلى خفقات النفوس، إلى الأجنحة التي تهفو للطيران، إلى ما في جوانحنا من شوق وتوق للعلو والصعود؟
كيف نقترب من لحظة التجلي؟ كيف تقترب من لحظة ابن خلدون الذي قال: « التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول.. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق،.. وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة.. ».
ماذا أكتب هنا؟ عن أي مفتاح أبحث؟ أين هو الضوء؟ ما هي الأرضية التي أحاول أن امهد عليها؟ ما هذا التاريخ؟ أي شيء هي هذه المرجعية التي أريد أن أستبدل بها المرجعية الحديثة؟ ما معنى المرجعية؟ عن أي شيء أبحث؟ كيف سأجعل للتاريخ معنىً مقدساً؟ لأي شيء كنت أسعى حين ذكرت سابقاً أنه علينا أن نتعلم أن نقرأ القرآن قراءتين اثنتين، قراءة أساسها أن التاريخ من صنع الله، وقراءة أساسها أن التاريخ من صنع البشر؟ ما هي الأشياء التي أريد أن أعرّف بها، وما هي أدوات المعرفة التي امتلكها؟ أي قرون استشعار عليَّ أن استخدم للدخول إلى معنى التاريخ؟ ما ثمن الدخول إلى معنى التاريخ؟ هل الدخول إلى هذا المعبد ميسور؟ ما هي الطرقات التي ينبغي علينا أن نسلكها كي يسمح لنا بالدخول إلى حرمه؟ لماذا كانت مكة بوادٍ غير ذي زرع، ولماذا وضعت حولها المواقيت التي لا يجوز لقاصد الحج أن يعبرها إلا مُحْرِماً ينشد نشيد الحج؟ ألا يمكن للإنسان أن يزور حرم التاريخ إلا بشق الأنفس؟ ما هي الهدايا التي اعتاد عليها في حياته كلها؟ هل عليه أن يخرج من المحيط؟ هل عليه أن يرجع إلى الوراء وينزع عن نفسه الأوزار من زينة القوم التي يحملها على ظهره، هل عليه أن يخرج من الرفث والفسوق والعصيان؟
التاريخ والحجة الإبراهيمية
كيف ندخل معبد التاريخ، ما هي شروط الطهارة؟ ما هي طقوس هذا المعبد؟ متى وضع مخطط هذا المعبد؟ من الذي شيد أسسه، ومن الذي سيفرش أرضه؟ كيف سنطهر هذا المعبد الذي صار مركزاً للأوثان والأرجاس والغوايات؟ متى سيحل الرشاد فيه؟ متى سنعرف كيف وضعت أسسه، وما هو تاريخه؟ متى سنفهم أذان إبراهيم عليه السلام؟ ماذا كان يُبنى في مصر على يد الفراعنة حين بنى إبراهيم عليه السلام البيت الحرام؟ إبراهيم الذي وضع المرجعة التي يمكن من معرفة الحق والباطل، والنافع من الضار، وذلك حين قال لقومه: (ما هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) الأنبياء: 21/52، (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ: مَا تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ قَالُوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) الشعراء: 69-74.
كأنهم يقولون: نحن لا نبحث الموضوع على أساس النفع والضرر، نحن نبحثه على أساس ما وجدنا عليه آباءنا.
لماذا الآباء مصدر المعرفة؟ لماذا كان الاقتصار على أعمالهم دون النظر إلى عواقب أفعالهم؟ لماذا لا زال الآباء مصدر معرفتنا؟ كيف نستطيع أن نجعل الآباء مصدراً للمعرفة الصحيحة؟
حين نحاكم أعمالهم إلى ميزان التاريخ الذي يذهب الزبد فيه جفاءً، ويمكث في الأرض ما ينفع الناس.
حين قال الصوفية قوله المشهور: « من لا شيخ له فشيخه الشيطان »، فإن هذا القول ليس باطلاً كله، بل إن نصفه صحيح، إذ لا يمكن لأحد أن يتعلم الحروف الهجائية بدون شيخ، بدون أستاذ، بدون أب، فالأب والأستاذ ضروريان، وإلا كان علينا أن نعود بالتاريخ إلى ما قبل كشف الآباء للحروف الهجائية.
ولكن، في الوقت نفسه، لا يجوز لنا أن نقف عندما وصل إليه الآباء، وإلا بقينا على سفك الدماء وذبح الأبناء، ولم ندخل إلى ملة إبراهيم الذي أبطل القربان البشري، أو فتح باب إلغاء القربان البشري.
المقصود هو: كيف نستفيد من الآباء دون أن يتحولوا إلى أغلال في أعناقنا وآصار على ظهورنا. وكما قال مالك بن بني نبي،: « ليت الأثقال التي على ظهورهم ندفنها معهم حين موتهم، ولكننا نحولها إلى ظهورنا ».
وعلى كل فإن المثل القائل: « رُمي الطفل مع ماء غسيله » يذكرنا بضرورة تمييز الحق من الباطل، فإن لم نميز نحن، فإن الله سيفعل ذلك، وهذا قانونه الذي يذهب الزبد جفاءً، ويُبقي في الأرض ما ينفع الناس، ونحن إذا تعلمنا نستطيع أن نتعلم من النصيحة، فيكفينا بطل وضحية واحدة، بدل آلاف الضحايا التي نحصدها دون أن نعتبر بها.
يقول الله تعالى عن إبراهيم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) الأنعام: 6/83، ويقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) الأنبياء: 21/51.
لقد وضعت حجة إبراهيم على قومه في هذه الآية السهلة البسيطة القريبة: (هل يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟) إن الحجة الإبراهيمية هي النفع والضرر.