الصادق الوعد الأمين

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:٠٩، ٢٨ مارس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
مقالات ذات صلة
......................
انقر هنا لتحميل المقالات (Doc)

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

في الاحتفالات الشعبية بذكرى الرسول (ص) يصفه المسلمون بأنه الصادق الوعد الأمين. ونحن لما نكشف أزمة المجتمعات الإنسانية حاليا سنكشف أهمية هذا الوصف للرسول: في سورة الشعراء لازمة متكررة خمس مرات مع قصص الأنبياء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

أ. كذبت قوم نوح المرسلين ب. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ج. إني لكم رسول أمين د. فاتقوا الله وأطيعون ه. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

أ. كذبت عاد المرسلين ب. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ج. إني لكم رسول أمين د. فاتقوا الله وأطيعون ه. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

أ. كذبت ثمود المرسلين ب. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون ج. إني لكم رسول أمين د. فاتقوا الله وأطيعون ه. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

أ. كذبت قوم لوط المرسلين ب. إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون ج. إني لكم رسول أمين د. فاتقوا الله وأطيعون ه. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

أ. كذبت أصحاب الأيكة المرسلين ب. إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ج. إني لكم رسول أمين د. فاتقوا الله وأطيعون ه. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

ويختم القرآن كل قصة منها بلازمة موحدة أيضا كما يبدأ بلازمة موحدة، فيذكر غرقهم أو هلاكهم بالعذاب أو تدميرهم ثم يقول: "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم."

أريد أن أنبه أن الأرضية الأساسية التي تبنى عليها النبوة هي الأمانة. فسلامة الإنسان والمجتمع لا تقوم إلا على أساس الأمانة والصدق. ولن يكون للإنسان قلب سليم لا غش فيه ولا غل إلا إذا آمن بالأمانة والصدق. إن قانون الكون المادي لا كذب فيه. الكهرباء لا تكذب. قانونها واحد ولا قدرة لها على غير ذلك. ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الصدق والكذب، والأمانة والخيانة، والفجور والتقوى. هذه القدرة المبتكرة قمة الكون والمخلوقات، ولكن تحقيقها في الحياة يعود للإنسان. الله ألهم الفجور والتقوى والإنسان هو الذي يحول هذه الإمكانية إلى واقع، والبشر الذين يلتزمون تحويل هذه الإمكانية إلى التقوى هم المتقون، والمؤمنون الذين قال الله عنهم "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها"

وأما الذين يحولون هذه الإمكانية وهذا الإلهام إلى الفجور فهم الذين قال الله عنهم "أولئك هم الكفرة الفجرة". كلمتا الفجور والتقوى في "ألهمها فجورها وتقواها" ينبغي أن تتحددا بوضوح لا التباس فيه، ولهذا يقول الله في بداهة أولية "أم نجعل المتقين كالفجار"، ويقول "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم". والرسول إمام الرسل جميعا وحامل لرسالات جميع الرسل، وهو صدق الرسل وأنقذ رسالاتهم وجددها. وأريد أن أنبه إلى أن محمد (ص) كان صادقا وأمينا قبل أن يصير رسولا، فالرسالة بنيت على هذا الأساس المتين الذي تفتقده البشرية إلى الآن. ونحن ينبغي أن نقف طويلا عند الصدق والأمانة. كيف يكون الإنسان صادقا أمينا؟ هل نحن مجبرون على الكذب والخيانة؟ أنا بحسب فهمي للقرآن الصدق يتغلب على الكذب والأمانة تتغلب على الخيانة، ومن لم يصدق هذا لا يمكن أن يدخل إلى عالم الأنبياء، ولا يمكن أن يفهم رسالة الأنبياء.

قف وتأمل أيها القارئ! لأنه إذا تجاوزنا هذه النقطة من غير أن نصل فيها إلى قول فصل ليس بالهزل فلن يستقيم لنا شيء وسيحبط كل عملنا. هذا ما جاء به الأنبياء جميعا وهذا ما قال الله عنه "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين". التوحيد أن لا يكون أحد من البشر إلها على الآخر، وهذا معناه أن تعطي للآخر ما تعطيه من حق لنفسك، وإلا تكون وقعت في المقت الكبير عند الله "لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". ويقول الله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون". ويقول على لسان الرسل: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه". إن لم يلتزم النبي بما يدعو إليه لا يكون صادقا ولا أمينا. كان صدق الرسول وأمانته واضحا للناس قبل أن يكون رسولا وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين. فهذه الأرضية وهذا الرأسمال وهذا الأساس. ويفلت كل هذا من العالم. لقد صار اكتشاف هذا والالتزام به صعبا. بل أشعر أننا محكومون بأرضية غير أرضية الصدق والأمانة. رأسمال العالم حاليا الكذب والخيانة. إننا لم نصنع بعد أرضية الصدق والأمانة.

إذا ظننا أنه، كما نعطي أنفسنا الحق في الدعوة إلى الصدق والأمانة، إذا أعطينا الحق للكذب في الدعوة إلى الباطل فإنه سينتصر على الصدق والأمانة نكون ظننا بدين الله وبالله ظن السوء، ونكون افترينا على الله الكذب، ونكون آمنا بقوة الكذب والخيانة. هناك شعور عند الناس أنه إذا أعطينا فرص السواء وتكافؤ الفرص لكل من الصدق والكذب فإن الكذب سيفوز. وهذا عكس القانون القرآني، الذي يركز دائما على أن غياب الحق هو الذي ينصر الكذب، وأن الحق عندما يأتي فإن الباطل يزهق كنتيجة طبيعية. وما لم نقلب التصور الشائع الخاطئ عن قوة الصدق لا نكون وضعنا أساسا للانطلاق ولا أساسا للإيمان والإسلام أو الله والأنبياء. وإنما نكون في أعماقنا على اعتقاد ملة الأقوام الذين يؤمنون أنهم لا ينجحون إلا إذا كبتوا وكبلوا الآخرين، ومنعوهم من حق الكلام وإبداء الرأي. بينما الأنبياء لم يلجأوا إلى الإكراه في صراع الأفكار والعقائد، ليهلك من هلك عن بينة وليحيى من يحيى عن بينة. إن الإيمان بقوة الحق تخلق هذه الطمأنينة النبوية، وتؤدي إلى إعطاء الناس جميعا فرصا متكافئة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم وعقائدهم.

يريدون أن نكتم الحق في الفهم لسنة الله، ونحن علينا أن نلتزم عدم كتمان الشهادة لله ورسله بأن الحق إذا جاء يموت الباطل موتا حقيقيا. إذا أدركنا قوة الحق فعندها سنفهم معنى "لا إكراه في الدين". ولما نصنع مجتمع اللاإكراه لا يحق لأحد استعمال القوة لإثبات الحق، وإلا رجعنا لقانون الغاب وليس لقانون الحق. فذنبي يجب أن يكون محصورا في بيان رأيي، لا لأني أتآمر أو استخدم أدوات القوة، أي أن لا ينقم أحد مني إلا لأني أقول الحق. "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد". فنحن إذا عدنا إلى ملة القوة، فقد لغينا قوة الحق، لأنه هناك ينتصر الأقوى بالعنف، أما حين نلتزم بقوة الأفكار فهنا ينتصر الفكر الأقوى.

فهل يمكن أن نفهم معنى الصادق الأمين؟

إنه الالتزام بفكرة معينة: أن ندرك أن الفكر هو الذي ينتصر في النهاية ويبقى، وأن الزبد يذهب جفاءا وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض. اللهم إني آمنت وصدقت الصادق الأمين، وآمنت بك وبكلماتك ورسلك الأمناء، عليها نحيا وعليها نلقاك مع الآمنين.