الدين والقانون، لاإكراه في الدين
من Jawdat Said
والآن نريد أن نوضح أن كلمة لا إكراه في الدين هي الرشد ، وأن الإكراه في الدين هو الغي ، فالجملة الثانية شرح وبيان للجملة الأولى ، فجملة ( لا إكراه في الدين ) بها تبين الرشد من الغي ، فالإكراه هو الغي ، واللاإكراه هو الرشد ، وكذلك الجملة الثالثة تفسير وبيان للجملتين السابقتين . ( فَمَنْ يكفُرْ بالطّاغوتِ ) الذي هو الإكراه ، ومن يفرض دينه بالإكراه ، ومن يؤمن بالله الذي يقرر أنه لا إكراه في دينه وفي الدين كلياً ، فمن التزم هذا فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
وهنا نكون قد وصلنا إلى فكرة كبيرة جوهرية ، هي أن الدين لا يجوز نشره بالقوة والإكراه والدين هو تفسير الكون ، أي الوجود كله بما فيه الإنسان . وعلاقة الإنسان بالوجود وبالناس الآخرين هي المبدأ والمنتهى ، وعند هذه النقطة يمكن بحث الدين ، أو فكرة الإنسان عن الوجود ، والفكرة التي يريدها القرآن من الناس في فهم العالم والتي نرجو أن نتمكن من توضيحها من ناحية النصوص ، ومن الناحية البيولوجية التاريخية .
فالإيمان أو الفكرة التي يريدها القرآن من الناس من ناحية الإيمان (بالله) هي أنَّ الله لا يمكن تصوره فهو كما يقرره القرآن :
( لم يَكُن لهُ كفواً أحد ) ] الإخلاص : 112/4 [ .
( ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ ) ] الشورى : 42/11 [ .
( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ ) ] الأنعام : 6/103 [ .
وهو مغزى الوجود ، ومعنى الكون ، وبدونه يفقد الوجود معناه ، والإيمان بالله هو سِّرُ الوجود ، فإذا كانت الكائنات الحية تُخرج سلوكها من بطون أمهاتها ماعدا الإنسان فإن الإنسان يتعلم سلوكه بعد أن يخرج من بطن أمه . إن الإيمان بالله مما يخرجه الإنسان من بطن أمه وليس مما يكسبه بعد ذلك ، فإن جينات الإنسان التي تصنع جهازه العصبي هي التي تفرض أن يجعل للكون غاية لأن الإيمان بالله هو أن لا ترى الوجود باطلاً ، فهذا النوع من التفسير الواسع يتسع لرؤى متعددة فسيحة .
تناول القرآن هذا الموضوع كما يلي :
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ) ] آل عمران : 3/190-191 [ .
تكفي هذه الفكرة ليكون الإنسان مؤمناً بالله أن لا يرى الكون عبثاً يقول القرآن :
( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) ] المؤمنون : 23/115-116 [ .
إنَّ مغزى الوجود لا يمكن الإمساك به ، وإنّما يمكن فهمه فقط ؛ كون العالم له هدف يمكن فهمه من الذرة إلى المجرة ، ومن أولى الكائنات الحية إلى الإنسان ، يدل أن الكون يتقدم إلى غاية ، وليس عبثاً وباطلاً ، وليس هو قبض الريح ولا باطل الأباطيل . ومع ذلك فإن الإنسان حين يرى أن الكون لا هدف له ، فإن ذلك ينشأ من الرؤية المجزأة التي لا ترى تسلسل الوجود خلال الزمن . بل إن الإنكار لا يتوجه إلى الوجود ، ولكن يتوجه إلى الذين يفرضون صورهم الذهنية القاصرة على الآخرين والذين يسميهم القرآن :
( الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) ] يونس : 10/60 [ .
( يَصُدَّونَ عن سَبِيلِ الله ) ] التوبة : 9/34 [ .
إن كثيراً من صور الناس الذهنية عبث جدير بالرفض ، وحين يختلط هذا العبث بالجلال والجمال الوجودي تغلب النظرة القاصرة المنقطعة ، وحتى حين ينكرون بألسنتهم أن يكون للوجود هدف ، فإنهم يُكذِّبون بسلوكهم دعواهم .
لقد زارني شخص من هؤلاء فلما أفاد أن الوجود عبث قلت له : لو كان ما تقول حقاً وأنت مقتنع به لما زرتني ، ولما بحثت معي ، ولكن سعيك هذا ينبئ عن شيء هو إيمانك بِحَقٍ تبحث عنه ، إن وجود أسماء مبجلة تحمل مثل هذه الأفكار يجعل كثيراً من الناس يفقدون الهدف من الحياة ، والأمل في العثور على معنى الوجود ، بينما هذا السعي موجود في جينات الإنسان ، لأن جهازه العصبي الذي تصنعه الجينات لا يفقد هذا الهدف ، والكائنات البشرية تتدفق من الأرحام وهي تحمل حب الاستطلاع بكل تحد لكل عبث .
ويعبر القرآن عن أن الإيمان يولد مع الإنسان وليس مما يكتسبه بعد الولادة ، إذْ الإيمان بمعنى الوجود فطرة ، يقول القرآن في هذا :
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) ] الأعراف : 7/172 [ .
إن العدل وكلمة السواء ليست عدمية ، لأن العدل للإنسان ليس عبثاً ولا عدمياً ولا باطلاً بل محاولة إخفاء ذلك أو عدم رؤيته من خلال التاريخ هو العبث ، نعم يمكن أن ييئس الناس من طول الحياة العابثة التي يعيشونها ولكن الحياة لا تضيع هدفها .
« ولِكَثرةِ الإثْم تبرُد المحبةُ » متى ( 23 : 12 ) .
ولكن لا تموت المحبة والشوق إلى المعرفة التي ينشأ منها الحب .