الدين والقانون، كلمة السواء
من Jawdat Said
كلمة السواء
كلمة السواء هذه هي رسالة الأنبياء جميعاً ، وبعد انتهاء النبوات ستبقى رسالتهم هذه ، رسالة الآمرين بالقسط بين الناس . فالدعوة إلى المساواة هي رسالة الأنبياء وكل المصلحين من البشر ، وعلى قدر تمكنهم من تفهمها وتفهيمها ، وعلى قدر التزامهم بها وتمكين الناس من التزامها ، يكون قربهم من الله ( مغزى الوجود - هدف الوجود ) وعلى قدر تكوين أو إيجاد المجتمع السواء ، مجتمع المساواة ، تكون درجاتهم عند الله .
( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ) ] المطففين : 83/26 [ .
( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ) ] الصافات : 37/61 [ .
فهذه الكلمة ، كلمة السواء هي الخفيفة والثقيلة معاً ، وهي الظاهرة والخفية في آن واحد ، وهي التي إذا ظن الإنسان أنه وصل إليها يكتشف أنه ابتعد عنها . عند عتبتها انهارت الحضارات ، وعلى عتبتها هلك الهالكون ، وأثناء تأملها تبلد ذكاء الإنسان ، وربما لا يمكننا الاقتراب منها إلا إذا اعترفنا أننا بعيدون عنها . وفي الإنجيل :
« ادخلوا من الباب الضيق ، إنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون يدخلون منه . ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ، وقليلون هم الذين يجدونه » متى ( 7 : 13 - 14 ) .
« هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا ؛ عارف الخير والشر . والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد .. ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة » سفر التكوين ( 3 : 21 - 24 ) .
هذا اللهيب للسيف المتقلب لحراسة طريق الصعود الذي في سفر التكوين هو ضيق الباب وكرب الطريق . متى (7 : 14 ) .
وهو الذي يقول القرآن عنه : ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ] فصلت : 41/35 [ .
( وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ] فصلت : 41/34-35 [ .
( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) ] الرعد : 13/19-22 [ .
أن تعطي للآخر مثل ما تعطي لنفسك وأن تمنع نفسك مما تمنع الآخر ، هذا هو لب الدين وجوهر الحقيقة ، وهدف الأنبياء والمصلحين وأولي العلم . وهذا هو الله ، لأن من أسماء الله العدل والحق ، وهذا هو المقدس ، وهذا ما في القرآن والإنجيل والأسماء والكتب ( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ) ] آل عمران : 3/64 [ .
وفي الإنجيل : « فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضاً بهم . لأن هذا هو الناموس والأسماء » متى (7 : 12 ) .
« تقول لأخيك دعني أُخرِجْ القذى من عينيك . يا مرائي أخرج أولاً الخشب من عينيك وحينئذ تبصر جيداً أن تُخْرج القذى من عين أخيك » متى (7 : 4 - 5) .
وفي القرآن :
( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ . كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) ] المطففين : 83/1-9 [ .
وفي الإنجيل : « بالكيل الذي تكيلون يُكال لكم » متى ( 7 : 1 ) .
وفي القرآن :
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) ] البقرة : 2/44 [ .
وفي الإنجيل :
« ويلٌ لكم أيها المتبةُ والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان » متى ( 23 : 23 ) .
ولعل هذه المقاربات ترفع مستوانا عن تعشير النعنع والكمون لنلتفت ونأخذ بقوة أثقل الناموس ، الحق ، الرحمة ، الإيمان ، ولا نكون من الذين يغصّون عن البعوضة ويبلعون الجمل ولا نكون مثل القبور مبيضة تظهر من خارج جميلة ، وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة ، من خارج تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياءً وإثماً » متى (23 : 29 ) « ينبغي أن لا تبرد محبتنا لكثرة الإثم » أي ينبغي أن لا تثبط هممنا كثرة المخطئين في الإنجيل « لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ، ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم » . متى ( 24 : 13 - 14 ) .
وفي القرآن :
( قُلْ لاً يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ] المائدة : 5/100 [ .
لخص القرآن مسألة التوحيد في كلمة السواء .
ثم لخص القرآن توحيد الأنبياء جميعاً في جملتين في سورة النحل رقم 16
( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ] النحل : 16/36 [ .
وفي سورة الأعراف رقم 7 يُنْطِق القرآن الأنبياء بجملةٍ واحدةٍ يكررها الأنبياء جميعاً وهي : (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) ] الأعراف : 7/59 [ .
وعلى هذا فإن كلمة :
1- السواء .
2- وكلمة العدل .
3- وكلمة التقوى .
وفي القرآن ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) ] الفتح : 48/26 [ .
وشرح القرآن كلمة السواء بثلاثة شروح ، تعالوا إلى كلمةٍ سواءِ بيننا وبينكم . ومعنى السواء أن يكون لك مثل ما لي وعليك مثل ما علي :
4- ألا نعبد إلا الله .
5- ولا نشرك به شيئاً .
6- وألا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً .
وكل الرسل بعثوا بـ :
7- اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوتَ .
8- وكلمة الشِّرك ضدُ كلمةٍ السواء .
( (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) ] الزمر : 39/65 [ .
وكذلك جملة في سورة البقرة رقم 2
9- ( لا إكراه في الدِّين )
شرحها بثلاث جمل أيضاً :
10- ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ
11- ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
12- ( فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا ) ] البقرة : 2/256 [ .
13- وهي كلمةُ لا إله إلا الله
والكلمة التي نسبها القرآن إلى كل الأنبياء وأنها رسالتهم ( اعبدوُا اللهَ واجتنِبُوا الطاغوتَ ) والطاغوت والطغيان وطغى من التسلط وتجاوز الحد والقهر . وقد استعمل القرآن كلمة طغى لفرعون مرات كثيرة . لما ذكر عاد وثمود وفرعون قال :
( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ) ] الفجر : 89/11-12 [ .
وأطول الحوارات في القرآن بين الأنبياء وأقوامهم حوار موسى وفرعون . وقد ورد اسم فرعون في القرآن أكثر من سبعين مرة ، وكذلك موسى أكثر من مئة مرة ، فالنبي موسى كان نزاعه مع أعظم وأعتى وأطغى الحضارات التي تركت الأهرامات ، رمز السلطان ، الذي كانوا يملكون ، فلهذا إن اسم فرعون لم يعد اسماً لشخص وإنما للطغيان لأنه هو الملك الإله الذي أنطقه القرآن بعبارات تدل على الطغيان والتسلط وتفريق الناس إلى طبقات ؛ يُنطق القرآن فرعون بجمل مختلفة قال : ( أنا رَبُّكم الأّعْلى ) ] النازعات : 79/24 [ .
قال فرعون : (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) ] القصص : 28/38 [ .
( قَالَ : لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ ) ] الشعراء : 26/29 [ .
وقال عنه : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ) ] القصص : 28/38 [ .
وذكرنا ثلاث عشرة آية وجملة لتدل على كلمة السواء وكلمة التوحيد وكلمة اجتنبوا الطاغوت ، منها رقم 7 وكذلك رقم 11 ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا ) ] البقرة : 2/256 [ .
فكما شرح القرآن كلمة السواء بثلاث جمل كل جملةٍ منها معبرة عن المعنى نفسه ، كذلك كلمة لا إكراه في الدين بيَّنَها برقم 10-11-12 وسنحاول بيانها فيما بعد .