المستبد

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

 

الفقيه

يقولون عن اجتهادات الفقيه أنه مصيب ويحتمل الخطأ، ولكن الآخر مخطئ ويحتمل الصواب ولكن لا يخطر في بالنا أن الخطأ والصواب في حد ذاته ليس هو المهم، ولكن أن يوضع الخطأ والصواب في الميزان والاختبار ليميز الخبيث من الطيب، والذي يجعلني أقول هذا وأتناول الموضوع من هذا الجانب، هو أننا لا يخطر في بالنا أن آراءنا لا قيمة لها موضوعية إلا إذا وضعت في مصفاة أهل الذكر وأهل الفقه، فإذا سمحت لها هذه المصفاة بالمرور صار لها الفوز ولو كانت خطأ، وإذا لم تقبل هذه المصفاة الفكرة فقد سقطت ولو كانت صواباً.

هل خطر في بالنا أن آراءنا ينبغي أن تمر على صراط الاختبار للعبور إلى الجنة أو النار؟، أريد أن أتساءل لماذا الله جل وعز قَبِل أن يوضع دينه في مصفاة الاختبار، لماذا قال لاإكراه في الدين؟ لماذا لا يجوز فرض الدين الحق بالإكراه وإنما بالإقناع؟ لماذا ينبغي أن يزول من قلوبنا أن الصواب لا يجوز فرضه بالإكراه؟ وإنما بقبول مصفاة أهل الذكر بالقبول فكما ضمير الفرد مصان لا يجوز لأحد انتهاكه كذلك ممثلوا المجتمع ينبغي أن يكونوا مصونين غير منتهكين، ثم إن قبول هذه الفكرة الإختبارية يحرر الفرد ويحرر المجتمع من المستبد ولو كان عادلاًَ ومصيباً ومن الفقيه المستبد الذي يذيل فتاواه بقوله هذا هو الحكم فمن أنكر يستتاب فإن لم يتب قتل، من أين هذا القول وكيف تسرب إلينا، لا حرج فمن هنا قلت مرة من الذي يستحق البر والقسط في المجتمع القرآني فرأيت في البحث في القرآن أن من لم يقتل الناس لأجل أديانهم أو أفكارهم أو عقائدهم ولم يخرجهم من ديارهم لأجل ذلك فإن ألتزم هذا استحق البر والقسط ولم يجعل الله للمجتمع القرآني سبيلاً إليهم، ومن لم يلتزم ذلك فهو المدان ولو كان مسلماً ومؤمناً وأكثر صلاة وصياماً من كل المؤمنين، ليتنا نتمكن من إخراج هذه الفكرة من أعماق الضياع، فإذا أنا استطعت أن أبعث هذا الموات أو أضيء هذا الكلام لأشعر بالأمن، هو ذلك الذي آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، يفرض إيمانه بالقوة على الآخرين (الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

كيف سأخرج من الالتباس بالظلم؟ وكيف سأكسب الأمن والهداية؟، إذا تركت الاستبداد الذي هو فرض الرأي بالقوة، من دون الرجوع إلى مصفاة الضمائر الفردية، أومن دون مبالاة وإلغاء لمصفاة أهل الذكر، فأنا أشعر بالأمن بالاجتهاد حين أقبل تحرير ضمير الفرد من أن يلحقه إكراه في فرض دين عليه لا يؤمن به، أي ممارسة الإكراه في الدين، وأنا أشعر بالأمن والهداية حين أقبل أن تعرض أفكاري على مجلس أهل الذكر، الذين هم ضمير الأمة، فإذا أجمعوا عليه فلا حرج وإذا كان هو أقرب للإجماع بقبول أغلبيتهم فذاك حسن جميل، وإذا رفض بالإجماع أو بالأغلبية مع  ذلك يبقى لي حق الدعوة إلى فكرتي ولا يفرض على الناس إلا إذا قبله ضمائر الإفراد وأهل الحل والعقد من الأمة الراشدة التي تحمي أفكار الناس من الاستلاب بأسلوب الإكراه بأحد الحُكمين المؤكدين في القرآن (القتل والتهجير) بأسلوب دائم لا يمكن التلاعب فيه حماية أفكار الإنسان الخاطئة من القتل والتهجير من الديار الذي هو جدير بالبحث والتركيز والإعادة وإعادة فحصه مرة بعد مرة حتى لا يصيبه التآكل أو العطالة أو يجد التسرب إلى هذين الحكمين أي إعدام الناس وتهجيرهم من أجل أفكارهم. ونحن حين مارسنا اللف والدوران حتى ألغينا مجلس أهل الذكر من الوجود بحيث لا يعود أحد يشعر بإمكان إعادته فمنذ فقدنا الرشد فقد لا إكراه في الدين وصرنا نقول يستتاب وإلا قتل ولا نكتفي حتى بإخراجه من دياره بالنفي الذي يمكن أن يحكم به قاطع الطريق. لما فقدنا لا إكراه في الدين فقدنا الرشد لأن لا إكراه في الدين به تبين الرشد من الغي وبه تميز الإيمان بالله والكفر بالطاغوت بالاستبداد. لا حرج أن تفقد كل شيء ولكن أن نفقد كرامة الإنسان التي كرم الله بها بني آدم فهذه الإهانة تحبط كل الأعمال، لأن القبول بلا إكراه في الدين في المذهب في السياسة هو الرشد والأمان وحرية الاختبار أما اللف والدوران عليه بالتلاعب هو الغي وهو الطاغوت. إن الذنب الذي يحبط كل الأعمال هو سلب حرية الاختيار في الدين وممارسة الإكراه فيه وإن التوحيد والرشد هو ممارسة اللاإكراه الذي كل الذنوب قابلة للغفران إذا لم تنتهك حرمة لاإكراه في الدين ومن لم يصدق فليقرأ قوله تعالى (لقد أوحي إليك وإلى الذين مكن قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) ومن لم يكتف بهذا فليقرأ (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ومن لم يقتنع بهذا ولا ذاك ولا بالقرآن ولا بالكتب الموحاة من قبل فليرجع إلى مرجع الجميع وليتفرس في التاريخ هل لهذه الأحكام من وقائع تاريخية كيف وماذا حل بالذين يمارسون الإكراه في الدين كيف فقدوا الأمن والاهتداء إلى كشف مرضهم وبقدر ما يقترب الإنسان من اللاإكراه في الدين يكسب الأمن وبقدر ما يبتعد الإنسان من اللاإكراه في الدين يقترب من اللا أمن لهذا الذين يفرضون سياساتهم بالإكراه بالاستبداد وبدون مبالاة إلى مصفاة أهل الذكر فإنهم لا يشعرون بالأمن بل هم في خوف دائم لأنهم يشعرون أن أمنهم لا رصيد له وأمنهم سحابة صيف مهدد بالنتيجة في كل حين وأنا لا أخاف أن تُنكَر كل أفكاري وتعرض على محاكمة مجلس أهل الذكر فإن قبلت فليس لي الفضل في ذلك بل هم لهم الفضل إن كان صواباً وعليهم الوزر إن كان خطاً وكذلك لا أخاف أن يعرض على ضمائر الأفراد ليتأملوها فإن استطعت أن أجلي وأزيل كل الغموضات وقبلت أيضاً فلهم الفضل في ذلك .

وينبغي أن أُذكِّر بفكرة قرآنية كبيرة يا أيها الإنسان القارئ أريد أن أنتشلها من أعماق الجب الذي وضعه فيه المسلمون ومن سبقهم من أتباع الأنبياء السابقين بأن محكمة رب العالمين يوم القيامة لا يقبل فيها حجة (إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا) يا أخي القارىء لن يقبل منك أفكاري هذه أن تحتج بها في تلك المحكمة وحين تقول هناك: أرنا فلاناً وفلاناً. وأنا أقول لك لن يغني عنك أن تقول إن هذا رأي جودت سعيد أو فلان شيخ الإسلام في زمانه إذا كنت لا تحمل مثل هذا المعدن النفيس الذي يحرر الأفراد من الآباء والسادة والكبراء فأعد اكتشافه في نفسك ولنتعاون جميعاً وأنا ضعيف الحجة وأنا أعترف بذلك وأجد في نفسي الإنقطاعات التي يحس بها القارىء في أفكاري والذي أريد في مقالاتي كلها أن أبين كيف ولماذا نُفرغ الآيات من معانيها؟ ولماذا تفقد الكلمات المعاني والأهداف؟ فلا ينتفع منها بشيء. كنت أتحدث كيف فقد المسلمون كلمة الشورى وكيف ضاع معناه حتى صار المحتج يحتج بأن الشورى لا معنى لها ولاوجود… لا حرج ولكنني سأقول كيف أننا  في غاية البراعة في تفريغ الكلمات من معانيها وتحريفها عن أهدافها، فإذا كنت لا تعرف كيف فقدنا مجلس أهل الذكر ومجلس الشورى منذ فقدنا الرشد وكرامة السواء والصدق وصرنا نعيش النفاق والشقاق فادخل إلى مملكة الفرزدق التي وصفها للحسين (قلوب الناس معك وألسنتهم عليك)، هو لم يقل هكذا ولكن أقول يا شباب المسلمين: بعد أن فقدنا الرشد صارت قلوبنا في واد وألسنتنا وأيدينا في واد آخر كلما أردت أن أُقرب من لب المشكلة تفلت مني وأنا أشعر أني لم أقرب إليك الموضوع ولكن لعلي اقتربت بك أن تفهم أن لا نفتري على الله وكتابه وسبيل الرشد، وكيف وصلنا إلى درجةٍ إن رأينا سبيل الرشد لا نتخذه سبيلا وإن رأينا سبيل الغي نتخذه سبيلا.

أقول بعد لف ودوران كيف افترينا على الديمقراطية أيضاً وكيف فرغناها من معناها إن كنت آدمياً مكرماً فأمسك بها وتمكن من إحياء معناها في البلاد العربية والإسلامية إننا لبسنا ثوب الديمقراطية وأجرينا الانتخابات وبنينا البرلمانات وأتينا بالنواب وزينا مجالس الديمقراطية بالنواب المنتخبين من الشعب وانتخبنا الزعماء بالإجماع أو ما هو قريب من الإجماع. كل ذلك لم يجدنا شيء ولم تقبل أن تغادر الديمقراطية مناخها ومواطن كرامتها هناك.

يمكن خداع الناس ولكن لا يمكن أن نزور الكلمات والمجالس والأبنية والسكان ونزور الأفكار فهل تعجب بعد ذلك إن فقدنا الحكم الراشد ومجلس أهل الذكر الراشدين هل اقتربت قليلاً من كشف سبب المشكلات أن الفقيه والمثقف الذي يعيش الحداثة فقد الفقه والثقافة؟