والكون والتسخير

جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون))

 

الإنسان

بدأنا في المجلس السابق بتفسير سورة الصَّف، وقد تحدثنا عن قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) ] الصف: 61/1-3 [، وفي هذا المجلس نتابع الحديث حول هذه الآيات والآيات الأخرى من سورة الصَّف، ونسأل الله أن يفقهنا في دينه، وأن يلهمنا رشده، وأن يعلمنا تأويل كتابه.

قانون الله في الكون:

في الآيات الثَّلاث الأولى من سورة الصَّف، يَعرض الله أسلوباً جديداً يجب أن ننتبه إليه جيداً ؛ لأنه يفيدنا في فهم القرآن فهاً سليماً.

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ)، ما في السماوات والأرض يشمل كل المخلوقات، وقد ذكر الله المخلوقات بشيء من التفصيل في سورٍ أخرى فقال: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ) ] الحج: 22/18 [، فكلُّ ما في السماوات وما في الأرض يخضع لنظام وضعه الله لها، فالأرض والسماء خاضعة لله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ] فصلت: 41/11 [، وربما يصعب علينا تصور الأوامر الموجَّهة إلى الجمادات، ولكن أوامر الله إلى الأشياء ليست كأوامرنا، فنحن نستفيد من السُّنَّة أو القانون ونسخره، ولكننا لا نخلقه، أما الله فهو الذي يخلق القانون أو السنة التي يسير عليها الكون كلُّهُ، فالله يأمر الكون باتباع النظام المحدد له: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ] يس: 36/38-40 [، إنهم يسبحون بنظام لا يتأخرون عنه لحظة ولا يتقدمون.

ونحن الآن نريد أن نفهم نظام القرآن في فهم الكون، فالإنسان حين يولد ويدخل إلى ميدان الحياة لا تكون عنده أية معلومة عن هذا الكون ؛ ولكنه يرى بعينيه الأرض والسماء، والشَّمس والقمر، واللَّيل والنهار، ودورة الحياة في الفصول الأربعة، ويلاحظ حياة النباتات والأزهار والحيوانات وموتها ؛ فيتساءل ما هذا الوجود؟ وما هو النظام الذي يحكمه؟ فيقول لنا ربّنا بلسان عربي مبين: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، إنه تعالى خلق الكون العظيم، وخلق الإنسان صغيراً إذا ما قورن بهذا الكون، فما موقع هذا المخلوق بالنسبة لهذا الكون وما دوره فيه؟ هذا ما ينبغي أن نستخدم إمكاناتنا وطاقاتنا لكشفه وفهمه.

الإنسان بين الطاعة والمعصية:

آية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) تبين علاقة الكون بالله، وتشير إلى أنها علاقة تسبيح وتنزيه له سبحانه وتعالى، وتنفيذ لأوامره تنفيذاً دقيقاً، فالكون لا يستطيع أن يخرج عن نظام الله وقانونه المودع فيه.

لكن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع الخروج عن نظام الله، لذلك جاءت الآية التالية بعد وصف حالة تسبيح الكون لله، وقالت: (يا أّيُّها الذين آمنوا لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلونَ)، لم تخرجون عن نظام الله وقد خضعت له سائر المجرات والنجوم الضخمة، إلى النباتات والحيوانات.

فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يخرج عن نظام كل المخلوقات (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) ] المؤمنون: 23/14 [، أي أنه وحده القادر على المعصية، وقد بدأ آدم بالعصيان، بينما باقي المخلوقات لا تعرف إلا الطاعة والتسبيح والخضوع، وقد خوطب بـ (لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلونَ) لأنه وحده القادر على أن يقول ما لا يفعل.

فعلينا أن ننتبه إلى هذا الفرق الجوهري بين الإنسان وسائر المخلوقات، فنحن مأمورون بأن نُحدِّق في الكون وأن ننظر فيه ؛ خصوصاً وأننا نمتلك في هذا العصر من المعلومات والأدوات ما يمكننا من ذلك.

الإنسان والكون في مواضيع القرآن:

إذا أردنا أن نوجز المواضيع التي يتحدث القرآن عنها: فإننا نجدها ستة مواضيع رئيسية وهي:

أولاً: الله: وهو مبدع الكون، والذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وقد وصف نفسه بشكل موجز في سورة الإخلاص فقال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ] الإخلاص: 112/1-4 [.

ثانياً: الكون: وهو كل المخلوقات التي يتحدث عنها الله في القرآن وتضمها عبارة (ما في السماوات وما في الأرض).

ثالثاً: الإنسان: وهو الجزء المختلف في هذا الكون، والمستخلف لإعماره وتسخيره.

رابعاً: اليوم الآخر: وهو نهاية الكون.

خامساً: المسؤولية: التي يتحملها الإنسان عن تصرفاته وأفعاله.

سادساً: الحساب: الذي يعطى فيه الإنسان جزاء عمله.

هذه هي المواضيع الرئيسية في القرآن، وباقي ما في القرآن تفصيل لها:

ففي الآية الأولى (سَبَّحَ لله …) ذكر موضوعي الله والكون، وفي الآية الثانية (لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلونَ) دخل موضع الإنسان.

وإذا كان الكون يسبِّح الله، فإن الإنسان يسبِّح الله كتسبيح الكون، ويسبِّحهُ تسبيحاً خاصاً به، فكل ذرة وخلية في جسمه تسير وفق القانون الإلهي، ولا تتخلف عنه لحظةً واحدة، فهو بهذا جزء كباقي أجزاء الكون، أما التسبيح الخاص به فهو تسبيح إرادي يتكلم به لسانه، ويعيه قلبه، وهذا غير موجود عند باقي الكائنات، وهذا ما أعطاه إياه الله حين قال: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ] الحجر: 15/29 [، فالله نفخ في الإنسان روحاً أخرى، وجعلهُ يستطيع أن يُسَخِّر الكون.

إذن، فجميع الكائنات لها شرائعها وقوانينها، ولكن الإنسان له نظام آخر هو نظام النفخ الذي تلقاه من روح الله، وهو الذي جعله خلقاً آخر، والإنسان سيحاسب على هذه المسؤولية التي حَّمله إيَّاها ربُّه.

إن طاعة الإنسان لله على نوعين طاعة إجبارية تتعلق بخصائصه الجسمية، وطاعة اختيارية تتعلق بأوامر الله ونواهيه وهي التي يستطيع أن يعصيها وان يخالفها.

الإنسان في رحلة تسخير الكون:

لقد خلق الله الكون وفق سنن صارمة (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) ] فاطر: 35/43 [، وإذا تعامل الإنسان مع هذا الكون وفق السُّنن التي بَثَّها الله فيه ؛ فسيطيعه ويخضع له، وسيتسخَّر لخدمته، ونحن نرى كيف يزداد تسخيره يوماً بعد يوم، وقد عاش الإنسان حيناً من الدهر لا يعرف التسخير، فكان يصطاد الحيوان ويأكله فقط، ولم يكن يستخدمه.

فهناك إذن علاقة بين الله وبين الكون وبين الإنسان وبين اليوم الآخر في مواضيع القرآن، فاللهُ خلق الكون وفق نظام قابل للتسخير، وخلق الإنسان قادراً على تسخير الكون، وفي الوقت نفسه قادراً على أن يطيع الله أو يعصيه، وفي الآخرة سيحاسب على عمله، وسيجزى بالجزاء الذي يستحقه.

وأعتقد أن هناك يوم دين اكبر، ويوم دين أصغر، فيوم الدين الأصغر: هو اليوم الذي يجزي فيه الله الناس على أعمالهم، وهذا الجزاء في دار الدنيا، وذلك وفق تعاملهم مع سنن الله وقوانينه، أما يوم الدين الأكبر: فهو يوم الحساب الكامل في الآخرة.

وأرجو أن نفهم هذه العلاقات، التي ينطق الكون بها، ويعيها المؤمن والكافر، ونراها في تعاملنا مع كل جزء من أجزاء الكون.

وفهمنا لهذه الأمور ؛ سيعطينا فكرة عامة عن القرآن، ونستطيع بعد ذلك إرجاع كل آية إلى واحد من المواضيع الستة المبثوثة في القرآن، فنقول: هذه متعلقة باليوم الآخر، وهذه متعلَّقة بالإنسان، وهذه تبحث في خالق الكون، وهذه تشرح موضوع الكون.

إننا نبحث كل هذه المواضيع، لكن الماديين الذين يبحثون في الموجودات ؛ لا يستطيعون أن يفهموا هذا، ولأنهم غير مؤمنين، فإنهم يبحثون شيئين فقط: الإنسان والكون.

إن هذا الفهم يجعلنا ندخل إلى كتاب الله بوضوح وطمأنينة وارتياح، فحين نشرح آية، أو نفهمها، أو نبلِّغها، أو نسأل عنها ؛ نستحضر مواضيع الكون والحياة والتسخير ؛ لأنه ليس بوسع أي إنسان أن ينكرها، فهو جزء منها، ويُسخَّرها، ويعيش معها، أما الله واليوم الآخر ؛ فإن كثيراً من الناس ينكرونهما، وسوف لن يحاسبهم ربهم على إنكارهم في الحياة الدنيا، وحسابهم عليه في الآخرة.

الخلق يدلُّ على الخالق:

إذا أردنا أن نتعرَّف على الله ؛ فسبيل ذلك ليس التأمل الذاتي في مفهوم الله، بل التحديق في الكون الذي خلق، والله يأمرنا بهذا فيقول: انظروا وتفكروا، انظروا إلى السحاب كيف نسوقه، وإلى السماء كيف جعلناها سقفاً محفوظاً، وإلى النبات والدواب، فالإنسان لم يكن يعرف شيئاً، ثم تعلم أسرار الكون شيئاً فشيئاً: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) ] طه: 20/114 [، فحين قال الله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) ] الجاثية: 45/13 [، حين قال هذا ؛ لم نكن نعرف كيف سُخَّر الكون لنا، وكان التسخير بعيداً عنا، فلم نكن نعرف كيف سُخِّر النباتات، بل كنا نقطفها ونأكلها فقط، لكن الناس تعلموا كيف يربّون أنواع الحيوانات، فيستفيدون من لحومها وأوبارها وألبانها، وقد ذكر القرآن النَّحل، والبقرة، والخيل والبغال والحمير، وسيخلق الله في المستقبل ما نعجز عن تصوره الآن: (سَنُريهمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حتى يَتَبينَ لهمْ أَنَّهُ الحَقُّ) وفي كلِّ عصرٍ سيخلق أشياء لم يرها الذين من قبل: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) ] ص: 38/88 [، والقرآن حدثنا عن آيات لم نرها حتى الآن فقال: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ) ] النمل: 27/82 [، إنها مخلوقات عجيبة امتلكناها بتسخيرنا للطَّاقة، وقد علمنا الله إذا ركبناها أن نقول: (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) ] الزخرف: 43/13 [، وكما سَخَّر الإنسان الدّابة سخَّر البترول والحديد والكهرباء، وصنع الطائرة والصاروخ، ولا زال الحبل على الجرَّار، وفي كلِّ مرٍ يخلق ما لا تعلمون.

إنَّه تعالى لم يكلفنا شيئاً مستحيلاً بل قال: (انْظُروا)، وقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ] البلد: 90/8-10 [، إننا نرى هذا بأعيننا.