والدين

جودت سعيد. من ((مجالس بئرعجم))

 

العلم

عندما يدرس الطلاب في المدارس تاريخ الإنسان والتَّشريح والبيولوجيا ؛ تُعرض عليهم هذه المعلومات وكأنها مناقضة للدين، فيصير بينهم وبين القرآن انفصال كامل ؛ فإنه لا يستطيع أن يشرح هذه المعلومات ؛ شرحاً يربطها بالقرآن الكريم، ولا يعرف كيف يعرض هذا العلم على أنَّهُ آيات الله في الآفاق والأنفس، وكثير من الأساتذة المتدينين ؛ يدافعون عن الأوهام، ولا يستطيعون تقبل العلم، ويشعرون بأنه مناقض للدِّين.

إننا نعيش تناقضاً مؤلماً في مدارسنا الابتدائية والإعدادية والثانوية، وحتى في جامعاتنا وعدن كبار الناس لدينا.

إننا نجد صعوبة كبيرة في التفكير ؛ لأننا لم نستمع إلى الذين يفكرون ولم نقرأ لهم، فلابد من إحداث تغيير كبير في العالم الإسلامي لإيجاد أناس يفكرون بحرية وبعلم.

إنَّ آلاف لناس سيمرون بمراحل متعبة من الشك والقلق، ولكنني على يقين من أن الحق سيظهر، وسينطلق عبر الألم والمعاناة، وسيأتي اليوم الذي يصبح فيه المسلمون أئمة العلم والمعرفة، وستخلَّصون من حبِّ السِّيطرة على الآخرين عن طريق الإكراه والقوة.

إنهم الآن يريدون أن يحكموا الناس ؛ ولكن بدون علم، والقرآن عِلم، ويخصُّ على العلم، ولذلك فإنني أُلِحُّ على أهمية تعليم القرآن للنساء والرجال والأطفال، وأرى أن تبليغ القرآن مسؤولية حمَّلنا الله إياها، وسيسألنا عنها يوم القيامة، فإذا قمنا بها نقول له: يا رب هذا ما فهمناه وبلَّغناه، تطبيقاً لقولك: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) ] الأحزاب: 33/39 [.

الإنسان والتَّاريخ:

إننا لا نرفض الآباء، ولكن العلم أخبرنا أن الإنسان مرَّ بمراحل مختلفة، وأن الخيل والبغال والحمير لم تخلق جاهزة للاستفادة منها، ولكن الإنسان استأنسها بعد أن كانت حيوانات برِّيَّة يصطادها ويقتات بلحمها.

إن هذه العلوم غير موجودة في القرآن، ولكن القرآن يقول: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ] العنكبوت: 29/20 [، إنَّك لن ترى هذا في القرآن ؛ ولكنهُ يأمرك أن تذهب وتسير وتنظر في آيات الآفاق والأنفس لتصل إلى العلم.

وآيات الآفاق تعلمنا كيف تعلم الإنسان الزراعة، وكيف تلَّم صناعة اللباس بعد أن كان عرياناً، وكيف كان الناس قليلين ثم تكاثروا.

وإذا كانت الأجيال السابقة قد ذهبت دون أن تعلم هذا فلا حرج، ولكن على الأجيال الجديدة ألا تتلبد، وألاّ تتردد، بل أن تفتح أبصارها، وتقرأ الكتاب، وتنظر إلى الحاضر وإلى التاريخ، وعلى الإنسان المسلم اليوم أن يكون متقصِّياً لأماكن المعرفة وأسبابها.

إذن لابدَّ من رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس ؛ لكي نرى الحق الوجود في الكتاب، ولكي لا نرفض الحق الموجود في الآفاق والأنفس فنصير سخرية للآخرين.

إنَّ العالم يتعامل مع المسلمين على أنهم لا يعقلون، فعلاً نحن ليس لنا عقول ؛ لأننا لا نستطيع فهم الأشياء، ولأننا لم نفتح سمعنا وبصرنا، ولم نشهد على الأحداث العالمية.

فالقبور القديمة والأهرامات والكهوف التي ترجع إلى أكثر من عشرين ألف سنة ؛ أصبحت تخبر عن الكيفية التي كان الإنسان يعيش عليها، وعن الأفكار التي كان يحملها ؛ من خلال الصور والرسوم التي خلَّفها، والعلماء اليوم يبحثون عن العظام المتحجرة ؛ لكي يعرفوا التاريخ، وكل عظم ينطق ويتكلم ويقول: أنا عشت في عصر كذا، قبل كذا مليون سنة، والأرض تقول: لقد أتى عليَّ حين من الدهر لم يكن عليَّ حياة، ثم وجدت الحيوانات الصغيرة جداً، ثم وجدت الحيوانات الكبيرة (الديناصورات) قبل ستين مليون سنة، وانقرضت هذه الحيوانات، وجاء بعدها الحيوانات التي سيستخدمها الإنسان، ثم جاء الإنسان ؛ بعد أن تهيأت الأرض لاستقباله، فوجد فيها الأشجار التي يمكنه استغلالها والاستفادة منها، ووجد الأشجار والثمار والزروع، قبل أن يزرعها، إنها جاهزة ليسخِّرها هذا المخلوق المكرَّم على الله.

تأويلُ الكتاب:

إنَّ علينا أن نجدد صلتنا بالقرآن وفهمنا له، لأن المدارس والكليات التي تدرِّس الشريعة في العالم الإسلامي ؛ تعلِّم طلاَّبها المفاهيم التي فهمها العلماء قبل خمس مئة سنة أو ألف سنة، ولكنها لا تُعلِّمهم كيف ينبغي أن نفهم القرآن اليوم، فكيف نفهم قوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ] النحل: 16/8 [، إنه يخلق من التفسير للقرآن ما لم يخطر على بال الذين من قبلنا، فكتاب الله لم يُنزَّل ثانيةً ؛ لأن الكون صار ينطق نيابة عن الله، وآيات الآفاق والأنفس أدلُّ من آيات الكتاب ؛ لأن آيات الكتاب لا يفهمها إلا من يفهم آيات الآفاق والأنفس، وقد قَبِل الله والقرآن التَّحاكم إلى آيات الآفاق والأنفس، فقال: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ] فُصلت: 41/53 [.

إذن، الكون هو الذي يشهد على صحة فهمك أو خطئه.

والبداية يجب أن تكون من هذه الآيات المفتاحية ؛ وفهمها ضروري لفهم آيات الكتاب الأخرى، فدراسة كتاب الله ليست حفظاً لحروفه. الحفظ جيد ولكن علينا أيضاً أن نفْقَهَه، وان نَفْهَمَهُ، وان نتدبَّرَه، وأن نعرفَ تأويله. ولكن ما هو التأويل؟

التأويل من المآل، فتأويل (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ؛ هو ما نراه اليوم من المخلوقات التي لم يرها السابقون، وتأويل آيات الآفاق والأنفس هو ما ظهر لنا من آيات الآفاق والأنفس، ويوسف عليه السلام حين رأى رؤيا أخبر والده بها: ((إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) ] يوسف: 12/4 [، ولكن تأويلها جاء بعد أكثر من عشرين عاماً فقال: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً) ] يوسف: 12/100 [، وذلك حين جاء اخوته وأبواه وسجدوا أمامه بعد أن تسلَّم حكم مصر.

ونحن الآن بعد ألف وأربع مئة سنة ؛ نرى من تأويل الكتاب ما يزيد إيماننا بأن هذا الكتاب من عند الله، واعظم ما يدل على أنه من عند الله هو قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ).

الجهل والتَّفكير الخُرافي:

لقد شاع في الأوساط الإسلامية التَّصور الذي يقول بأننا في آخر الزمان، وأن يوم القيامة قريب، وان كل يوم هو أسوأ من الذي سبقه، وهذا التَّصوُّر ليس خاصّاً بالمسلمين، وكلما كان الإنسان جاهلاً فإنه يفكر بهذا الشكل، إنها شريعة بشرية وليست عند المسلمين فقط، وقبل شهرين أعلن عدد من المسيحيين أن يوم القيامة اقترب، وأن المسيح على وشك الظهور، وأشعلوا في أنفسهم النار، واحترقوا وماتوا، وهم أتباع رحل مسيحي يرى نفسه انه جاء لينقذ العالم.

إذن، ينبغي أن نفهم ما يحدث في العالم وأن نعرف تأويله، وان نبحث عن الأسباب التي جعلتنا على هذا المستوى من الضعف، ترى لماذا يقول الرسول r: « يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها »(1)؟ ولماذا يقول: « ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، غلا نزلت عليهم الرحمة، وغشيتهم السكينة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده »(2)؟

إن المسلمين سيرجعون إلى كتاب الله، وسيتدارسونه فيما بينهم، وستحدث تغيرات هائلة في العالم الذي نعيش فيه، وليس هذا ببعيد ؛ بل هو قريب وسيرى الشباب هذا العهد الذي يرجع فيه المسلمون إلى كتاب الله، ويفهمونه وفق آيات الآفاق والأنفس، وسيسيرون في الأرض ليروا الآيات، وسيبحثون فيها عن بداية الخلق.



(1) رواه ثوبان عن رسول الله r ، وأخرجه أبو داود رقم ( 4297 ) .

(2) أخرجه البخاري في الدعوات ، باب : فضل ذكر الله عز وجل ( 11/177 و 178 و 179 فتح ) ، ومسلم في الذكر والدعاء ، باب : فضل مجالس الذكر ، رقم ( 2689 ) .