|
جودت سعيد. من
((مجالس بئرعجم)) |
ثقافة
|
|
|
في بعض
الدول التي تطبق الشريعة الإسلامية، يطبَّق حكم القصاص، فولي المقتول يعطى الحق
في أن ينفذ القتل قصاصاً أو أن يعفو، وفي الغالب لا يعفو، بل يطبق القصاص فيقتل
قاتل وليه، وربما ينتظرون أعواماً طويلة، حتى يبلغ ابن المقتول، لكي يستشار في
القتل أو العفو، وقد ربِّي الإنسان هناك على أن يتلمظ لقتل الجاني، يقتل كثيرون
من الذين لم يعفُ عنهم أولياء المقتولين في الساحات العامة قصاصاً. والإسلام
ليس فيه أن قتل القاتل واجب وإنما يعطي الحق لوليه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ
كَانَ مَنصُوراً) ] الإسراء: 17/33 [. وفي حادثة
جرت في السودان، اقتحم بعض الفلسطينيين فندقاً، وقتلوا بعض النزلاء الإنكليز،
ولأن الحكومة هناك تطبق الشريعة الإسلامية ؛ أرجعت أمر القصاص أو العفو إلى
أولياء القتلى من الإنكليز وقالوا لهم: إن الحكم يرجع إليكم، فما كان من هؤلاء
الإنكليز إلا أن عفوا عنهم. والعفو في
الإسلام ليس فرضاً، ولكنه مستحب ومرغوب به، وقد ورد أنه « في يوم القيامة ينادى:
ألا ليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح »(1)، وورد في صحيح مسلم
عن علقمة بن وائل أنَّ أباه حدَّثه قال: إني لقاعدٌ مع النبي r، إذ جاء رجل يقود آخر بِنسعةٍ فقال: يا رسول الله! هذا قتل أخي.
فقال رسول الله r: « أقتلته؟ » فقال: إنه لو لم يعترف أقمتُ عليه البيَّنة. قال:
نعم قتلته. قال: « كيف قتلته؟ »، قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبَّني
فأغضبني. فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي r: « هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك؟ » قال مالي ملٌ إلا كسائي
وفأسي. قال: « فترى قومك يشترونك؟ » قال: أنا أهون على قومي من ذاك . فرمى إليه
بنسعته. وقال: « دونك صاحبك » فانطلق به الرجل فلما ولَّى قال رسول الله r: « إن قتله فهو مثله » فرجع. فقال: يا رسول الله إنه بلغني انك
قلت: « إن قتله فهو مثله » وأخذته بأمرك. فقال رسول الله r: « أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ » قال: بلى، قال: « فإن ذاك
كذاك » قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله »(1). هذا الحديث موجود،
ولكن المسلمين لا يذكرونه، لذلك تعمقت ثقافة القتل، وعدم العفو في نفوس الناس،
ففي بعض البلدان الإسلامية ربما ينتظرون ثمانية عشر عاماً لتنفيذ القصاص، ومن
قتل وليه قبل ثمانية عشر عاماً لا يعفو عن القاتل، بينما الإنكليز عفوْا عن
القَتَلة الذين لا ينتمون إلى دينهم، ولا إلى عرقهم، ولا إلى وطنهم، فالأمر إذن
يعود إلى الثقافة وليس إلى الشريعة، ونحن إذا أردنا أن نتدخل علينا أن نتدخل في
الثقافة، لا أن نتدخل في أصل الحكم، فنربي الناس على التسامح، ونعمق ثقافة العفو
- التي حثَّت النصوص عليها - عند الناس فإقامة
العدل والإحسان أولاً، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ] النحل: 16/90 [، وإذا كان الإحسان غير مفروض علينا ؛ فإنه مرغوب ومستحب ومندوب،
ومن يتعامل بالإحسان فإنه موعود من الله بالأجر والثواب العظيم. |
|
|