|
جودت سعيد. من
((مجالس بئرعجم)) |
مقارنة
|
|
|
إذا
تعلَّم المرء عدَّة سُور؛ يسهل عليه تعلُّم باقي السُّوَر، ومهمة من يقرأ القرآن
من أوَّله إلى آخره أن يتتبع موضوعاً معيناً في كل الآيات، وأن يقارن القرآن
بالواقع ليرى كيف يتحقق وعد الله ووعيده، فعندما يذكر الله عاداً وثمود وفرعون
يقول: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) ] المرسلات: 77/18 [، وهذا يعني أنكم سترون بأعينكم ما نفعل بالظالمين، (أَلَمْ
تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ
يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ
بِالْوَادِي، وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ،
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ،
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ] الفجر: 89/6-14 [. إن سقوط
الاتحاد السوفيتي دليل حيٌّ على هذه الآيات، وسقوطه أعمق من سقوط عادٍ وثمود،
فهو يملك من الصواريخ والرؤوس النووية ما يدمر الكرة الأرض\ية عدة مرات،
والاتحاد السوفييتي لم يهلك بالصاعقة ولا بالزلزال ولا بعدوان خارجي ؛ بل تحلَّل
داخلياً، فهلك هلاكاً مريعاً، ألم ترَ كيف فعل ربُّك بالاتحاد السوفييتي؟! هذا
الهلاك ؛ من آيات الله في الآفاق والأنفس، فالذين يجبرون الناس على الكفر،
وينفون المخالف في الفكر إلى سيبيريا ؛ هذه عاقبتهم، وهذا مصيرهم. وقد نبَّه
الرئيس الأمريكي كلينتن شعبه إلى أن الاتحاد السوفييتي لم يسقط لأن خارجياً
غزاه، لكنه تحلَّل داخلياً فسقط، وقال لهم: إن الولايات المتحدة أيضاً إذا
تحلَّل شعبها فستسقط. وأنا
أقول: ونحن المسلمين أيضاً، لن نرث أرضهم وحضارتهم لمجرد أننا مسلمين بالاسم ؛
بل سيسلط الله علينا من يسومنا سوء العذاب ويستعمرنا، إلى أن نطبق أوامر الله ؛
في النظر، والشهادة، والسَّير في الأرض، وتحصيل العلوم. تبليغ
رسالة الإسلام: لقد تغير
العالم، وتبدلت فيه أساليب المواجهة بين الناس، لكن المسلمين لا زالوا يظنون أن
السلاح هو الذي سوف ينصرهم، ولذلك فهم يشترون الأسلحة ويحاولون صنع القنبلة
النووية، وكأنهم يروا كيف سقط الاتحاد السوفييتي، تلك القوة العظمى، وكيف يفككون
الآن ترسانته النووية. وحتى
الذين يملكون القنبلة النووية، لا يستطيعون استخدامها، لأنها لن تدمر طرفاً
واحداً بل ستدمر جميع الأطراف. والإسلام،
الذي يحلم البعض بنشره عن طريق القوم وتجهيز الجيوش ؛ ينتشر بقوته الذاتية،
ويدخل فيه الناس من الشرق والغرب بالرغم من ضعف أهله، وبالرغم من أنهم فتنة
للذين كفروا ؛ يحجبونهم عن هذا الدين وينفِّرونهم منه. لقد دخل
في الإسلام عدد من كبار المفكرين والعلماء كروجيه غارودي، فكيف لو كنا نتحقق
بالإسلام، ونجعله واقعاً يتحرك في الأرض. إن القرآن
رغم مرور أربعة عشر قرناً من نزوله، والمسلمون معرضون عنه أيما إعراض (وَقَالَ
الرَّسُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) ] الفرقان: 25/30 [. إن علينا
أن نعود إلى آيات الكتاب الكريم، وان نبدل أوقاتاً طويلة حتى نفهم معنى آيات
الله في الآفاق والأنفس، لنرى كيف يمكن تبليغ رسالة الإسلام في هذا العصر، فرسول
الله r لم يكن يملك أجهزة اتصالات متطورة ؛ كالفاكس والفيديو
والتلفزيون والأقمار الصناعية، هذه الأجهزة التي نملكها ونستطيع بواسطتها أن
نبلغ رسالة الإسلام إلى العالم كلِّه. أمراض القلب وأمراض الجسد: فيما مضى
من الزمان ؛ كان الوباء يحصد ملايين الناس، ومرت القرون وعانى الناس من ويلات
الأمراض، إلى أن اكتشف الإنسان علاجاً يمكنه أن يقي الناس من الأوبئة والأمراض،
فتعافت الأجسام، وطالت الأعمار. لكن القرآن
نبَّه ومنذ القديم إلى نوع آخر من الأمراض، وهو مرض القلب، ولم يكن يقصد به:
الجلطة القلبية، أو السكتة القلبية، أو تضخم الشرايين، بل كان يقصد أمراض الحقد
والكراهية والحسد والنفاق والظلم، وكلها من الجهل، هذا ما قصده حين قال: (فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً) ] البقرة: 2/10 [. إن أمراض
القلب هذه ؛ لم تحظَ بما حظيت به أمراض الجسد من الرعاية والاهتمام حتى الآن،
والسبيل الأمثل للتخلص منها هو نشر العلم والمعرفة، وتعليم القرآن، فالإنسان لا
يصبح مجرماً، أو مُدمن مخدرات إلا إذا كان جاهلاً، فبالعلم نزكي أنفسنا، وبالجهل
ندسيها (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/9-10 [، فالإنسان الذي خلق في أحسن تقويم ؛ يمكن أن يردَّ إلى أسفل
سافلين، والفساد الذي يتلبس فيه الشباب اليوم ؛ سببه أنهم بعيدون عن المسجد،
وبعيدون عن العلم. إننا لم
نستخدم المسجد الاستخدام الأمثل، بل جعلناه مصدراً للفتنة، ومأوى للخارجين على
القانون، وكان بإمكاننا أن ندخل من خلاله إلى قلوب الناس، وأن نعلمهم أمور دينهم
ودنياهم. |
|
|