والعلم

جودت سعيد. من ((مجالس بئرعجم))

 

القرآن

لقد شرحنا في مجلس سابق ؛ الفرق بين كل من الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، والضّالين، وقلنا إن الضّالين هم الأكثرية (بَلْ أَكْثرُهُمْ لا يَعْلمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرضُونَ) ] الأنبياء: 21/24 [، وما لم يصل العلم إلى الضّالين ؛ فسيتحول بعضهم إلى مغضوب عليهم، لأن الجهل يؤدي إلى العداء والإنكار، والمؤمن إن لم يكن نموذجاً حسناً للآخرين ؛ فسيكون حاجزاً لهم عن الدخول في الإيمان، من هنا كان دعاء إبراهيم والذين معه (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ] الممتحنة: 60/5 [.

إنَّ كل ما قررناه بشأن معاني الآيات الكريمة ؛ لا يعدو أن يكون فهماً أدت إليه معلوماتنا، ولا نقول إنه تفسير نهائي أبدي، من هنا كان كبار المفسرين من السلف يقولون بعد عرضهم للآراء العديدة في الموضوع: والله أعلم بمراده..

وعلي كرَّم الله وجهه حين سُئل: هل ترك لكم رسول الله r شيئاً خصَّكم به من دون الناس؟ قال: « اللهم لا، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً من عباده في كتابه »(1). فالعبد المؤمن الذي يعرف آيات الآفاق والأنفس، ويَشهد على الناس، وينظر في كتاب الله ؛ يستطيع أن يفهم في كتاب الله ما يفهمه السابقون، والمستقبل سوف يكشف عن معانٍ عظيمة، قال تعالى: (فَانْظُرُوا) ] العنكبوت: 29/20 [ إلى الماضي والحاضر، و (انْتَظِرُوا) ] الأنعام: 6/158 [ المستقبل، و (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) ] ص: 38/88 [، (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ] التوبة: 9/32 [.

العلم سبيل الرشاد:

لا زال أكثر المسلمين يظنون أنهم إذا امتلكوا القوة ؛ فيجب عليهم أن يقتلوا المخالفين لهم، وهذا مغروس في أعماقهم جميعاً: المتعلمين منهم والعوام. وحين قلت: إن الجهاد لم يشرع لاستئصال الكفر، لأن الكافر - وإن انتصرت عليه - له الحق في أن يبقى كافراً.. حين قلت هذا تعجب الناس كثيراً، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على عمق الجهل لديهم، وشدة بعدهم عن المعرفة. والخوارج قديماً كانوا على هذه الشاكلة، كانوا يصلُّون كثيراً، ويصومون كثيراً، ويخافون الله خوفاً شديداً ؛ لكنهم كانوا جاهلين، فلم تغن عنهم صلاتهم ولا صيامهم شيئاً، ولم تمنعهم من الوقوع في الأخطاء الجسيمة، فقتلوا علي بن أبي طالب، وسفكوا دماءً حراماً، وكذلك تفعل الأمم الجاهلة بالراشدين من خلفائها.

وما لم تكن الأمة راشدة ؛ فلن تستفيد من الخليفة الراشد فيها، لذلك كانت الخطوة الأولى هي تربية الأمة وتعليمها حتى لا يبقى فيها أحداٌ يجهل القرآن والإسلام، فلنبدأ من المسجد، ولنعلم آيات الله، فقد قال r: « ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم الرحمة، وغشيتهم السكينة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده » (1)، فلنتدارس القرآن، ولنتعلم معانيه، ولنقل: هذا فهمنا والله اعلم، وإذا جاء فهم أفضل فسنترك فهمنا ونتبعه (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) ] القصص: 28/49 [.

الود بعد العداء:

يقول الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر لنا إبراهيم والذين آمنوا معه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ، وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ] الممتحنة: 60/6 [، إن إبراهيم والذين اتَّبعوه قدوة لكم إن كنتم تريدون الله واليوم الآخر، ومن يُعرض عن طريقهم فإن الله هو الغني الحميد.

ثم يقول: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ] الممتحنة: 60/7 [، لقد نزلت هذه الآية عند فتح مكة، يوم لم تكن الجزيرة العربية تدين بالإسلام، وقد بشَّر الله فيها المؤمنين بأن المستقبل يحمل في طياته تغيراً في العلاقة بينكم وبين أعدائكم الحاليين، لتصير علاقتهم بهم علاقة مودَّة، يذكر الله هذا الأمر في وقت لا يتصور فيه أحد أن يتحول هؤلاء الناس من أعداء إلى أحباب.

ونحن اليوم نظن أن الله لن يغير علاقتنا بأعدائنا، وأنه لن يجعل بيننا وبينهم مودة، لكننا لو بذلنا جهودنا في هذا السبيل، وصرنا في مستوى هذا التحول ؛ فسيتحول الآخرون من العداوة إلى الحب، وسينتشر هذا الدين مرَّةً أخرى في هذا العالم الذي باتَ مشتاقاً إليه، وإلى إنسانيته وعدالته، ولن ندرك حاجة العالم إلى هذا الدين إلا إذا درسنا أحوال المجتمعات المختلفة وفلسفاتها، وشاهدنا تلك العبثية التي انتشرت في العالم، وذاك الإفناء والقتل للمخالف في الدين والمذهب، كما يحدث في البوسنة، إننا لا نتصور أن يصير بين هؤلاء أية علاقة ود، وما ذلك إلا لتقصيرنا وعدم فهمنا لكتاب الله، فكتاب الله يحدد بوضوح الصفات التي إن وجدت في شخص ؛ فلا حرج علينا أن نبادله الودّ فيقول: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ] الممتحنة: 60/8 [، فهو هنا لم يذكر نوع دينهم،ولم يشترط أن يكونوا متدينين غير ملحدين، لكنه قال: يشترط فيهم ؛ أن لا يُكرهوا أحداً على معتقدهم، وأن لا يُخرجوا أحداً من وطنه بغير ذنب، والإذن بالقتال إنما جاء للذين ظُلموا (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ) ] الحج: 22/39-41 [.

أما الذي لا يجوز لنا أن نبادله الود فيقول عنه الله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) ] الممتحنة: 60/9 [، فإذا مارس أحد الإكراه في الدين، والإخراج من الديار، فإنه يُقاتل سواء أكان كافراً أم مسلماً، ومن لم يمارس هذين الأمرين، وقَبِل العيش بصدق وأمان في المجتمع، يشاركه أفراحه وأتراحه، فليس لنا عليه من سلطان.

العلم بين البداوة والحضارة:

لقد أنتجت خلال تجاربي الحياتية، وقراءاتي اليومية ؛ فهماً يجمع آيات الكتاب وآيات الآفاق والأنفس في هذا العصر، وإنه ليسرني أن تفهموا ما أقول، حتى وإن رفضتم أفكاري وأقوالي. افهموني ثم ارفضوني، لكن المشكلة هي الرفض قبل الفهم.

إن لكل إنسان صفات حسنة، وصفات سيئة، وقد ذكر الله في القرآن الأعراب فبيَّن أن لهم صفات سيئة فقال: (الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً، وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) ] التوبة: 9/97 [، وقال: (وَمِنْ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ، أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ، سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ] الممتحنة: 9/99 [، وقد نهى رسول الله r الإنسان أن يتبدا، أي أن يعيش في البادية دون الحضر، لأن حياة التنقل لا تساعد على اكتساب العلوم والمعارف، ولا تزال الدول التي ينتشر فيها البدو تعاني جداً من أجل إيصال العلم إليهم.

إن هذا النهي من رسول الله r عن العيش في البادية ؛ يدلُّ على أهمية العلم والتعليم، وقد سمي عصر ما قبل الإسلام بالعصر الجاهلي لأنه لم يكن فيه علم، لذلك فالأعراب أجدر أن لا يعرفوا حدود ما أنزل الله، فهم يعيشون في وضع يجعلهم أشداء غلاظاً، ومع ذلك فإن لهم أخلاقاً كريمة، كالشهامة والنجدة والكرم وإغاثة الملهوف، وحتى الصعاليك كانوا يسرقون ليطعموا الضعفاء، ورسول الله r إنما بُعث ليتم مكارم الأخلاق. ومن هنا كان تعليم القرآن فريضة (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ، أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاعِنُونَ) ] البقرة: 2/159 [، (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَاَلاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ) ] الأحزاب: 33/39 [.

نشر العلم أولاً:

إننا بحاجة إلى تبليغ آيات الله، وإلى تعليم القرآن ؛ لأن كثيراً من الناس أصبحوا لا يميزون بين الحديث والحكمة والآية القرآنية، وقد تلوت مرَّة قوله تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ] النمل: 27/34[، فسألني بعض الناس: هل هذا قرآن؟!!.. (وَقَالَ الرَّسُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) ] الفرقان: 25/30[، ورسول الله r يقول: « أشراف أمتي حملة القرآن »(1)، ويقول: « خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه »(2).

إذن فالخطوة الأهم هي أنه علينا أن نقوم بإعادة تعليم القرآن، وأن نمسح بتعليمه الأمة جميعاً ؛ نساءً ورجالاً، حتى يفهموه، فأنا لا أطلب من جميع الناس أن يصيروا فلاسفة يعلمون ما حدث في الصين، وما حدث في اليابان أو الهند، ولكن على الجميع أن يَعلموا القرآن، وأن يَفهموه وفق ما فهمه العلماء.

لقد كان رسول الله r يقدر العلم، ومن تقديريه للعلم أنه كان يزوج المسلم على ما معه من القرآن، أي على أن يُعلَّم زوجته ما يعلم من القرآن، وفي القرآن قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) ] آل عمران: 3/79 [.

وقد ورد في الحديث أن رسول الله r صلى مرةً ثم التفت وقال: « أيكم يودُّ أن يذهب إلى بطحاء ويأتي بناقة عشراء من غير مأثم ولا قطيعة رحم؟ »، قالوا: كلنا يودُّ ذلك، قال: « لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يُعلَّم آية من كتاب الله خيرٌ له من ناقة عشراء، ولأن يغدو إلى المسجد فيعلم أو يعلَّم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين عشراوين »(1).

 

 

 



(1) أخرجه أبو داود عن قيس بن عباد في الديات ، باب : إيقاد المسلم بالكافر ، رقم ( 4530 ) والنسائي في القسامة ، باب : القعود بين الأحرار والمماليك في النفس ( 8/19 ) وهو حديث صحيح بشواهده .

(1) أخرجه البخاري في الدعوات ، باب : فضل ذكر الله عز وجل ( 11/177 و 178 و179 فتح ) ، ومسلم في الذكر والدعاء ، باب : فضل مجالس الذكر ، رقم ( 2689 ) .

(1) أخرجه الطبراني في الكبير ( 12/125 ) وفي إسناده سعد بن سعيد الجرجاني وهو ضعيف ، وأخرجه أيضاً الخطيب البغدادي في تاريخه ( 4/124 و 8/80 ) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 3/1194 و 7/1521 ) .

(2) أخرجه البخاري عن عثمان في فضائل القرآن ، باب : خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ( 9/66 و 67 ) ، وأبو داود في الصلاة باب : ثواب قراءة القرآن ، رقم ( 1452 ) ، والترمذي في أبواب ثواب القرآن ، باب ما جاء في تعليم القرآن ، رقم ( 2909 ) .

(1) أخرجه أحمد في مسنده ( 4/154 ) .