من الخوارق إلى السننية

جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون))

 

الخروج

فكما دخل أولو العلم إلى عالم النبوات وبقاء أهل العلم، كذلك دخلت السننية إلى عالم الخوارق ثم انتهت الخوارق وبقيت السننية.

(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً..) ] فاطر: 35/43 [.

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ..) ] آل عمران: 3/137 [.

يقول: سيروا في الأرض، وانظروا إلى تاريخ الأمم، وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين الذين رفضوا القسط بين الناس، وبهذا التوجه في الاستدلال تحول البرهان والمرجعية إلى عواقب التاريخ، وفي هذا التوجه يسوق القرآن تاريخ الأمم السابقة، وعواقب التاريخ هي مرجعية القرآن.

(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ] الفجر: 89/6-14 [.

(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) ] الكهف: 18/59 [.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) ] هود: 11/96-103 [.

وإذا كان القرآن يذكر الأمم التي ظلمت وكيف هلكوا، فإن ما حدث للأمم بعد عهد القرآن فيها عِبَرٌ كثيرة لنا. وإن لم تكف تلك الأحداث أيضاً، انتظروا الأحداث القادمة لتتأكدوا: أن قانون الله لا يتغير ولا يتبدل في هلاك الأمم التي تظلم الناس ولا تعدل بينهم.

(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) ] الكهف: 18/59 [.

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ] آل عمران: 3/137 [.

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) ] القصص: 28/58-59 [.

والقرآن مليء بالقوانين التاريخية، وهذا خروج من عهد الخوارق إلى السننية. فكما دخل أولو العلم القائمين بالقسط إلى عالم النبوات، وتحولت النبوات إلى العلم ثم استقلال أولي العلم وانتهاء عهد النبوات، كذلك دخول السننية كان تقدماً في المعرفة الإنسانية ؛ حيث استقلت السننية وخرج الناس من عهد الخوارق إلى التاريخية ورؤية عواقب تاريخ الأمم. وهذا التوجه كان قديماً في كل النبوات، إلا أن استقلال السنن والخروج من الخوارق جاء متأخراً في حياة الناس في كل المجتمعات البشرية، ففي الإنجيل: « احترزوا من الأنبياء الكَذَبة الذين يأتونكم بلباس الحملان ولكنهم من الداخل ذئابٌ خاطفةٌ، من ثمارهم تعرفونهم.. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، فإذن من ثمارهم تعرفونهم ». متى (7:15-20).