|
جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون)) |
الإيمان
|
|
|
الرسل
الذين لم يقصصهم الله علينا وهكذا
يعرض القرآن ظاهرة الأنبياء نموذجاً موحد فهم يشتركون بخصائص معينة لا يجوز أن
نفرق بينهم ويمكن اكتشاف خصائصهم. فمن هذا الجانب يفرض القرآن على أتباعه أن
يؤمنوا بجميع الأنبياء في آيات عديدة. فمثلاً يقول: (آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ
بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ) ] البقرة: 2/285 [. (قُولُوا
آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا
آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ)
] البقرة: 2/136-137 [. ويقول
أيضاً: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا
أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ] آل عمران: 3/84 [. (إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا
بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُوْلَئِكَ هُمْ
الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيماً ] النساء: 4/150-152 [. الرسل
الذين لم يقصصهم الله علينا وفي
القرآن ظاهرة أخرى فيما يتعلق بالأنبياء، فبعد أن يذكر الأنبياء بالتعيين
والأسماء يقول: إنَّ هناك أنبياء لم نذكرهم، وبهذا يفتح القرآن الباب لإمكانية
التعرف على أنبياء لم يذكروا في القرآن ويمكن التعرف عليهم بمعرفة خصائص النبوة
والأنبياء، وهذا مجال آخر من البحث لتحديد القواسم المشتركة بين الأنبياء لنتعرف
على الذين يحملون مثل هذه الخصائص، ويمكن أن أقول ربما سقراط يمكن أن يكون موضع
دراسة فيما إذا كان يمكن ضمه إليهم بعد تحديد خصائص النبوة، لما كان يتصف به
سقراط من الصدق والأمانة والإصرار على تبليغ ما كان يشعر أنه مكلف بإشاعة ما
أُلْهِمَهُ. كما يمكن
عرض أسماء آخرين ليكونوا موضع تأمل وقد يكون سقراط وإبكتوتس مرشحين للبحث فيهم.
هذا من جانب الاعتراف بجميع الأنبياء من غير تفريق بينهم سواءً منهم من كان
مذكوراً وفي هذا يقول القرآن: (إِنَّا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ
وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ
عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ
مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ] النساء: 163-165 [. ويقول في
هذا الموضوع أيضاً إنَّ الله لم يقص علينا جميع الأنبياء: (وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ
مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ
وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) ] غافر: 40/78 [. والاعتراف
برسل لم يرد ذكرهم في القرآن يفتح الباب لرسل تنطبق عليهم مواصفات الرسل ؛ حيث
لا يحذف أحد من الرسل من الاعتراف بهم، وهذا منهج وتصور يحذف العنصرية بين البشر
ويعترف بكل الدعاة والداعين إلى العدل والإحسان، فيكون هذا أسلوباً ناجحاً لجمع
البشرية إلى كلمة سواء من غير أن نبخس مُصلحاً حقه، ويضاف إلى هذا أن القرآن
يعترف بأنه لا توجد أمة لا رسول لها، وأن كل الأمم أُرسِلَ لها رسول فيقول: (وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً..) ] النحل: 16/36 [. (وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ] يونس: 10/47 [. (إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا
فِيهَا نَذِيرٌ) ] فاطر: 35/24 [. (رُسُلاً
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ) ] النساء: 4/165 [. (وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ] الإسراء: 17/15 [. ويمكن أن
نقول: إن الاعتراف بوجود رسل لم يرد ذكرهم في كتب الديانات التوحيدية في الفضاء
الثقافي الذي أرسل فيه نوح وإبراهيم، يفتح الباب للاعتراف برسل الثقافات الأخرى
سواء في الشرق الأقصى، أو في أفريقيا، أو السكان الأصليين في القارة الجديدة.
حيث إن الأمم الآن بدأت تبحث عن ثقافتها القديمة لتثبت وجودها وذاتيتها وهذا
المنهج يضع البشرية على طريق التوحيد والاعتراف بالقواسم المشتركة بين الأمم
ورسلها أيضاً، وهذا الموقف قيمة إيجابية إنسانية للناس جميعاً على سبيل التعاون
والتفاهم والاعتراف بهم مشاركين في المسيرة الإنسانية. كثيراً ما
أقول: إن تطلعات الأنبياء لمستقبل البشرية لم تأت إلى حياة البشر، حيث كان مبدأ
الأنبياء في أعلى مقاصدهم أن يكون تنافس البشر في فعل الخير، وأن يكون الهدف هو
هذا إذا رجعنا إلى الوراء لنكتشف الأسس التي تمكننا من القفز إلى الأمام مثلما
يرجع الذي يريد أن يقفز إلى الوراء ليكون قفزه إلى الأمام أكثر قوة، لا أن نرجع
إلى الوراء لنبقى هناك. ووسائل الانتقال ينبغي أن تكون لها القدرة على العودة
إلى الوراء لا للبقاء هناك ولكن للتكن من المناورة ليكون التقدم إلى الأمام
فعالاً أكثر. فإذا كان
البشر لم تكن تتيسر لهم الطاقة إلى الأمام، ويتراجعون ليحولوا التنافس في فعل
الخير إلى تنافس في فعل الشر وتسابق إليه، فإن هذا العجز ليس ميزة البشر وإنما
القدرة على التجاوز ليستخدموا كل الإمكانات، ليكون التجاوز أسرع وأقل كلفة وأحسن
مردوداً. ولنتذكر ما عاناه الذين دعوا إلى أماكن متقدمة في أسلوب استخراج أفضل
ما في الإنسان من إمكانيات، فإذا السبل تكاد تكون مغلقة أمام أغلبية الناس،
فلنستخرج العبر من التاريخ، من رواد الإبداع ليتحول الإنسان إلى أفضل ما أُبدع
فيه من قدرات، وفي هذا يقول القرآن لشد أزر المبدعين: (وَكُلًّا
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ
وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ.
وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) ] هود: 11/120-122 [. ويقول
القرآن ليثبت الرسل ودعاة الإصلاح فيما يواجهون من عقبات صعبة: (حَتَّى
إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ
نَصْرُنَا) ] يوسف: 12/110 [. وفي
القرآن آيات كثيرة تدين التشاؤم، وأن اليأس والقنوط ليسا من صفات المؤمنين وإنما
من صفات غير المؤمنين فيقول: (وَلا
تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلاَّ
الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) ] يوسف: 12/87 [. ويقول: (قَالُوا
بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَنْ
يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ) ] الحجر: 15/55-56 ]. إن تصور
العالم أنه مسخر للإنسان وأن الإنسان قادر على حل مشكلات العالم نظرة تفاؤلية،
وقيمة حضارية، تبعث على الجد، وهو تصور قرآني، وإن كان يغلب على الناس في مراحل
تاريخية معينة روح التشاؤم، يقول القرآن: (وَسَخَّرَ
لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ] الجاثية: 45/13 [. هذه
النظرة قرآنية، وإن الإنسان ينبغي أن يجتهد ليعلم سنن الوجود ويتمكن من تسخيرها
للصالح العام، فإن لم يفعل ذلك، عليه أن يعلم أن الكون بما فيه الإنسان قابل
لتسخيره للخير، فإن لم يفعل ذلك فالأمر لا يرجع إلى الكون، إنه غير قابل للتسخير
بل إلى الإنسان الذي عليه أن يستخرج أو يستخدم القوى الكامنة فيه للتسخير. |
|
|