هو الإنسان في التاريخ وفي الدين وفي القرآن ذاته؟

جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون))

 

ما

أولاً من الناحية التاريخية إن الناس قبل قرون قليلة لم يكونوا يعرفون عن تاريخ الإنسان قبل آلاف قليلة شيئاً. ولكن علم الإنسان بالإنسان في القرون الأخيرة امتد إلى ما يزيد عن ثلاثة ملايين من السنين، كما دلّت عظام (لوسي)، وعلم الإنسان عن الإنسان أنه عاش قبل أن يعرف إيقاد النار، وقبل أن يستأنس الحيوان، وقبل أن يعرف الزراعة، إلى درجة أنه يمكن أن نقول إن الإنسان كان كبقية الكائنات الحية، لم يكن يتدخل في توجيه حياته، ولم يكن ينتج غذاءه، ولكن هذه القوة الجديدة الممنوحة للإنسان متى بدأت وكيف انفصل الإنسان عن بقية الكائنات بهذه الإمكانية؟.

إن الإنسان مكبّ على التعرف على مسيرة خلق الإنسان بدأب لا يعرف التوقف، وكل يوم يزداد علماً وسيطرة.

إن هذه الإمكانية العجيبة في سلطة الإنسان كامنة في جهازه العصبي النامي القابل للاستيعاب، ولعل القابلية لنقل التجربة إلى الآخر بواسطة الكلام أو تسمية الأشياء هي الإمكانية العجيبة التي انضافت إلى الإنسان، وبهذا انفصل الإنسان عن بقية الكائنات هذا الانفصال البعيد والمنقطع، ويمكن أن نقول: إن كل الكائنات الحية الأخرى تولد وهي تحمل في جيناتها سلوكها والمعرفة التي ستعيش بها، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يولد ولا تولد معه المعرفة التي سيعيش بها، وإنما يكتسبها بعد ذلك، وإنه يحمل الاستعداد للتلقي والاستيعاب هو الشيء المدهش الذي جعل سلطان وقدرة الإنسان على التزايد المستمر، لمعرفة الكون الذي نعيش فيه، ولمعرفة ذاته. فقد امتدت معرفته بالوجود إلى حافة الزمان والمكان. وامتد زمانه ومكانه إلى ما يزيد عن عشرين ملياراً من السنين زماناً ومكاناً، ودخل إلى داخل الذرة في الوجود، كما دخل إلى سر وجوده في جيناته إلى أن قالوا: بدأ اليوم الثامن في توسع معرفة الإنسان، وهذه المعرفة التي اكتسبها الإنسان تبعث فينا الخبال ؛ لأن نفكر في الكائنات التي كانت تعمر الأرض قبل سبعين مليون سنة، تلك الكائنات الضخمة الهائلة الجثة والصغيرة الدماغ حيث الإنسان الآن يعيش، هذا الكائن الصغير الجسد وكبير الدماغ، فماذا يمكن أن يكون عليه الكائن الذي سيعمر الأرض بعد سبعين مليون سنة من تاريخنا الآن؟

لابد أن الإنسان سيكون له دوره الواعي في تطور ذلك الكائن الذي سيكون.

وعلى قدر عمق معرفة الإنسان بالماضي كيف كان وكيف ازداد نموه ستكون قدرة معرفته للمستقبل وإمكاناته الكامنة فيه. وهذه المعرفة العميقة في الماضي والممتدة في المستقبل، تكسب الإنسان تفاؤلاً وإعجاباً بالإبداع للنظام الذي يحكم الكون ويخرجه من التشاؤم. فالطفل العاجز عن خدمة نفسه لا يعتبر ناقصاً في الإبداع، حين نعرف ما يمكن أن يتحول إليه، فلهذا إن الرؤية اللحظية تجعل الإنسان في ريبة وتشوش ويأس يقلل من فعاليته. لذا يمكن أن نقول: إن الإنسان إنسان بقدر ما يعلم من تاريخ الإنسان برسوخ ووضوح.

وإن المعرفة التاريخية الممتدة المستوعبة هي روح الإنسان، واستخدام جهازه العصبي القابل للاستيعاب يكافئه، ومن دون هذه المعرفة ورسوخها يكون النقص والفساد والعكس بالعكس. وغياب هذه الصورة الشاملة عند كثير من الأسماء اللامعة، يجعلها مبعث تشاؤم ورؤية لجوانب النقص وعجز عن رؤية جوانب الإبداع المستمر الذي لم يفقد هدفه قط خلال تاريخ الإنسان، وتاريخ الوجود مع كل القصور الذي يمكن أيضاً بوضوح.