هو النافع

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

المقدس

سئلت مرّة عن المقدس، ما هو المقدس؟ فقلت: المقدس هو النافع.فقيل لي: أليس القرآن هو المقدس؟ فأجبت: أليس القرآن هو انفع النافعين، وأهدى الهادين؟

إن حجة إبراهيم هي التي تفرّق بين الحق والباطل: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ، كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ) ] الرعد: 13/17 [.

كيف نرسم خريطة معالم التاريخ؟ كيف نتبين الرشد من الغي؟ كيف نميز الحق من الباطل؟ كيف نميز النبي الصادق من المتنبئ الكاذب؟ كيف نعرف الدين الحق من الدين الباطل؟ كيف يلتبس هذا بذاك؟ من الذي يفصل هذا عن ذاك؟ متى يكون يوم الفصل؟ إنني أبحث يوم الفصل الدنيوي، والذي يأمرنا الله بانتظاره: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) ] هود: 11/121-122 [ .

إنني أكتب كالغشيم الذي يضرب في خضم هذا العالم المضطرب الناطق الصامت، وليس عندي برشامة أو كبسولة تجعلك بمجرد ابتلاعها عالماً بالتاريخ، ولا امسك بميزان الحرارة لأقول لك: أنت في درجة حرارة كذا.

إنني أسعى لأضع اتجاهاً جديداً في التفكير، ومرجعية للعلم والمعرفة، وأريد أن أحدق في كتاب الله الذي أنزله، وفي العالم الذي خلقه، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

العواقب المعجلة والعواقب المؤجلة

لولا الكتاب ما بدأ التاريخ، ولا خرج الناس من التوحش، ولولا أحداث العالم ما أمكن فهم الكتاب، فعين على الكتاب وعين على أحداث التاريخ، والعواقب هي التي تميز النافع من الضار، والصواب من الخطأ، والحق من الباطل، وإذا كان هذا صعباً، فإن الثمن الذي يطلبه الإعراض عن هذا الطريق هو الذي سيلوي أعناقنا، وسيضطرنا لقبول النافع طوعاً أو رغماً عنا، وإذا لم تصدقوا فما عليكم إلا أن تعيدوا التجربة السابقة ثلاث مرات أو أربعاً أو عشراً، ولن يملّ الله حتى تملّوا، ولن يغيّر قانونه حتى تغيروا ما بأنفسكم عن الله وسننه.

الناس جميعاً يدركون العواقب السريعة، فالطفل الذي يمد يده إلى النار يتعلم ألا يفعل هذا مرّة أخرى، هذا الأمر سهل الرؤية لدرجة أنه من السخف أن نذكره ونسوقه للاستشهاد به. ولكن بعض العواقب لا تظهر مباشرة، بل تحتاج إلى انتظار، وتحتاج دورة ظهور نتائجها إلى مدّة تتفاوت كثيراً، وحتى إذا ما برزت وظهرت، فإنها قد تخفى على الذين لا يجمعون أحداث التاريخ، ولا يصلون ما انقطع منها،

إن انقطاع الصلة، لا ليس حسناً أن نقول: انقطاع الصلة، بل الأقرب إلى الصواب أن نقول: إن عدم رؤيتنا لارتباط الأسباب بالنتائج يجعلنا ننفي السننية وننكر القانون والميزان.

لقد تنبّه إلى هذا سكينر حين بحث موضوع النتائج المؤجلة أو المعززات المؤجلة، وكذلك تنبه إلى ذلك توينبي حين بحث دورة الحضارة، يشعر بذلك عندما درس نماذج عديدة بغية الوصول إلى قانون انهيار الحضارات وتحللها.

إن عمر الحضارة ليس كعمر الأفراد أو الدول والإمبراطوريات، وإن دورة الحضارة ليست كدورة الإلكترون، ولكن هل نقول: إنها مثل دورة المجرة؟ إن المجرة لتحتاج إلى آلاف السنين لتكمل الدورة الواحدة.

هل لا أزال أبحث مذهب ابن آدم؟ هل يحتاج فهم مذهب ابن آدم إلى كل هذه المفاهيم التي أبحثها؟ ألا يكفي أن نقول: « كن كابن آدم » وكفى؟ أو أن أقول: أنا على مذهب ابن آدم؟

كان التاريخ يسير ببطءٍ شديد، وقد اقتضى وضع الآباء والأبناء في الميزان وقتاً طويلاً، وكان النبي يأتي ويذهب دون أن يتمكن من إقناع رجل واحد، وقد ورد عن رسول الله r قوله: « يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، ويأتي النبي ومعه رجل واحد، ويأتي ومعه الرجلان، ويأتي ومعهُ ما يسد الأفق، وارجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة »(1).

التاريخ يتسارع الآن بوتيرة عالية، فقديماً كانت الحضارة الصينية تعيش وليس لدى أهل مصر شيء من أخبارها، وحضارات أمريكا لم تكن معروفة البتة، وحين وصل الناس إليها أزالوها بدل أن يتعرفوا عليها!!..

الدخول إلى معبد التاريخ

كيف سندخل معبد التاريخ؟ ما هو مقدار الخشوع الذي نحتاج إليه للوقوف في صفوف المتعبدين فيه؟ هل في هذا المعبد صفوف، أم فيه أفراد قلائل، رجل ورجلان؟!..

هل يمكن لنا أن نعرف مقدار هذا المعبد، ومقدار قداسته؟؟..

أريد أن أقول لك: عن هذا المعبد هو المرجع الذي يرجع إليه القرآن، ويجعله مصدراً للمعرفة، وحين جعل القرآن التاريخ مصدراً ومرجعاً ؛ لم يعد الناس بحاجة إلى أن ينزل عليهم كتاب آخر، ولا أن يأتيهم نبي آخر (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) ] الحشر: 59/2 [، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الألْبَابِ) ] يوسف: 12/111 [، ومن لا يقدس هذا المرجع، ولا يبالي به، فلن تبكي لهلاكه الأرض ولا السماء، وإن لم تصدقوا فانظروا إلى الذين يدفعون الأثمان الباهظة من الدموع والدماء وحسرات الآباء والأمهات، على أبناءهم المقتولين أو المفقودين أو المعوقين، وحسرات الأبناء والبنات على آبائهم وإخوانهم، وحسرات  النساء على أزواجهم.

انظروا إلى الأموال التي يخسرونها في سبيل طريق لا يأتي منه نفع، وكان بإمكانهم أن ينفقوها على المعرفة، وعلى العلم، وعلى الفقه في الدين، وعلى معرفة يوم الدين في الدنيا والآخرة، وعلى معرفة يوم الدينونة، يوم يدفع الناس الديون.

إن الذين لا يعتبرون يغرقون في الديون، وكذلك الجاهلون الخاملون.

اكشفوا قانون الديون، اكشفوا سنة الله في الديون والدينونة، اكشفوا الارتباط الكائن بين الأسباب والنتائج، اكشفوا معنى استعاذة رسول الله r من غلبة الدين وقهر الرجال.

من أين ينشأ الدين؟ ما هي نفسية كل من الدائن والمدين؟ ما معنى قهر الرجال، وقهر الأمم والشعوب؟ أين نعيش نحن؟

إننا لا نعرف قيمة المعرفة، ولا معنى التفقه في الدين، ولا مشكلة الديون في العالم الفقير، ولا ندري من أين ينشأ الفقر.

الفقر ليس هو الإفلاس من الدرهم والدينار، الفقر الحقيقي هو الإفلاس من تزكية النفوس التي: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/9-10 [.

الفقر والإفلاس الحقيقي هو الجهل بالتاريخ وسننه وآيات الله في خراب الأمم وهلاك القرون والشعوب، ونحن بانفصال شديد عن المعرفة، ولا يكفي أننا لا نعرف، بل إننا لا نعرف أننا لا نعرف، وحتى حين يسألني بعضهم: ماذا تقرأ؟ أصاب بالعجز، ولا أستطيع أن أقول: اقرأ كذا وكذا، لأن الأشياء المكتوبة والتي ينبغي أن نُرشد إلى قراءتها لازالت كسحر فرعون، الذين كانوا يرهبون الناس.

كان محمد إقبال حين يصل إلى هذه النقطة يقول مخاطباً به: أنت تغلي السعر والأيدي خواء. وكأني به ينظر إلى ما ينبغي أن يُنفق للحصول على المعرفة، كان يرى أن الثمن الأول غالياً، وأول من يحصل على المعرفة ؛ يحصل عليها بالصدفة، ولكن الذي يأخذها بعد ذلك لا يأخذها بالصدفة، بل يأخذها بالجهد الواعي.

كيف سنعرف مشكلة المعرفة، مشكلة الوعي، مشكلة الفقه الأكبر، الفقه في الدين، الفقه في الدينونة، فقه الجزاء والعواقب؟؟!.. أين فقهاء العواقب؟

حين أتذكر العقبات التي تقف أمامنا، والعقد المتراكمة حولنا، والسدود والأسوار التي تمنعنا من الدخول إلى المعرفة والفقه، وتحجزنا عن التأمل والتدبر والتذكر، وتحول بيننا وبين أن نصل ما أمر الله به أن يوصل، حين أتذكر كل هذا أشعر بأننا لم نعد نستطيع أن ندفع مراكبنا إلى الأمام، وأننا فقدنا النور الذي ينبغي أن نرى فيه طريقنا، وأشعر أن علينا أن ندفع ثمناً غالياً للحصول على المعرفة، أو للشعور بان طريق المعرفة ليست مفتوحة أمامنا.

إننا لا نقبع في الجهل فقط، بل نخاف من المعرفة، لأننا نحمل وهماً عن الفقه والفهم والإدراك، ونسيء الظن بالله، ونجعل أصابعنا ف آذاننا، ونستغشي ثيابنا، ونصر ونستكبر استكباراً.

كيف نكشف هذا الوهم الكبير؟

إننا نظن أن الثمن الذي تتطلبه المعرفة كبيراً جداً، هذا الوهم هو الذي يشعرنا بالفقر، ونحن فقراء بالمعرفة فعلاً.

كأنني ألامس المشكلة من بعيد، ولكن كيف أكون قريباً منها؟ كيف أوصل إليك ما رأيت؟ أنت معذور، إذا لم يأتك رسول ولم تبلَّغ الأفكار عن رسول.

 

 

 

 



(1) نحوه أخرجه احمد ( 3/158 ) وابن ماجة في الزهد ، باب : صفة امة محمد r ، رقم ( 4284 ) عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه .