|
جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم)) |
التاريخ
|
|
|
الحق
ليس هو ما في ذهنك وتصورك، الحق هو المصير، هو المنقلب، هو العاقبة، هو الموجود
في الواقع.. الحق
ليس تابعاً لتصوراتك الذهنية، ولا عبرة بما في ذهنك إذا م يستند إلى أدلة في
الواقع، والناس قد يصلون إلى درجة إنكار الحق، وقد يصابون بالحيرة والالتباس من
كثرة الاختلاف في التفاسير والمذاهب والرؤى، وقد يصل بهم الأمر إلى اليأس من
وجود الحق، ولكن لا يخطر في بالهم أنه لا معول على ما في الأذهان من تصورات، وأن
المعول عليه إنما هو المصير والعواقب، فإن لم يكن لك علم بالعواقب، فلا علم
لديك، وإذا كنت لا تعلم العواقب فلا تدعِ امتلاك العلم: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ] الإسراء: 17/36 [. إنك
إن لم تملك معرفة بالعواقب ؛ فما عندك لا يعدو أن يكون أهواءً وظنوناً وتخرصات. العواقب
إنما تظهر في التاريخ، والقرآن يرجع إلى التاريخ، والمرجعية بحسب القرآن هي
للتاريخ وعواقب الأمور. ما
في ذهنك ليس من الضروري أن يكون علماً، إذ قد يكون وهماً، ولذلك لا يكون ذهنك
حكماً في التمييز بين الخطأ والصواب من الأمور التي في ذهنك أو في نفسك، فالذهن
يجمع الحقائق والأوهام، ويخلط الحق بالباطل، وأما الذي يفرز الحق من الباطل،
ويغربل الأوهام من الحقائق هو غربال التاريخ، والقانون فيه هو أن الزبد يذهب
جفاءً وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وليس غير التاريخ شيء يمكنه أن يفرز
الحق من الباطل، ولهذا فإن الله تعالى في كتابه قد جعل التاريخ مرجعاً. لكن بعض
الناس يظنون أن التاريخ هو ما يكتبه الناس مما في أذهانهم، إلا أن التاريخ ليس
كذلك، ليس التاريخ هو الكتب، لأن الكتب قد تكون مليئة بالخرافات، والتاريخ هو ما
يذهب بالخرافات جفاءً، وهو ما يُبقي ما ينفع الناس. كم
مرّة ينبغي أن نكرر أن مرجعية القرآن هي التاريخ، هي عواقب النزاعات ومصيرها؟ بدون
التاريخ لا يوجد علم ولا عقل، وكل علم أو عقل لا يعتمد على التاريخ ؛ لا يعدُّ
علماً أو عقلاً، بل هو وهم مهما كثر أتباعه وطال بقاؤه. إن
مصيره إلى الزوال والفناء، والبقاء هو للنافع الذي سيمكث في الأرض. كم
هو ملتبس هذا الموضوع؟ كم هو صعب وسهل في آن واحد؟ كم هو قابل للغموض، وكم هو
بحاجة إلى تجلية وتوضيح؟ لن
تكون هناك مرجعية ما لم يكن هناك ميزان أو مكيال، وحيث لا يوجد مقياس لا يمكن أن
يكون هناك حق أو باطل، وما تراه حقاً مبيناً، قد يراه الآخر باطلاً مبيناً. لقد
اخضع الله ذاته وأنبيائه وكتبه، للقانون الذي يتجلى في الواقع، وبدون الواقع
والعواقب فإن الله الحق لا يتميز من الله الباطل، والنبي الحق لا يميز من النبي
الباطل، ولا يميز الكتاب الحق من الكتاب الباطل. كل هذه الأمور من ثمارها
تعرفونها. وإننا حين نجعل العواقب والثمرات هي المرجع للحكم والتمييز، نكون قد
بدأنا بالإمساك بشيء يمكن أن يخضع للتمييز، للميزان، للقسطاس، للمكيال، للإحصاء،
للعد، للكيف. القرآن
والتاريخ: لماذا
يهتم القرآن بتاريخ الأولين ويقول لنا: (لنْظُروا) إليهم وإلى الذين سيأتون من
بعد؟ إن
الحق والقانون، (الميزان والقسطاس)، السنَّة، لن تضيع لا في الماضي ولا في
الحاضر ولا في المستقبل. المناخ
الذي يتمتع فيه جسدك بالاستقرار محصور ضمن درجات حرارة معينة، ولا بقاء لجسدك
خارجها، سواء كان ذلك ارتفاعاً أو انخفاضاً، برداً أو حراً. المناخ
الذي يتمتع فيه جسدك بالاستقرار محصور ضمن درجات حرارة معينة، ولا بقاء لجسدك
خارجها، سواء كان ذلك ارتفاعاً أو انخفاضاً، برداً أو حراً. القانون،
السنة، الميزان، القسطاس، الإحصاء، كلها وسائل لتمييز النافع من الضار، والذين
لا يعرفون التاريخ لا يمكنهم أن يقدسوا لله، ولا أن يقدروه حق قدره، ولا أن
يعزروه ولا أن يوقروه، لأن عظمة الله تتجلى في خلقه وإبداعاته في خلقه لا في مكان
آخر، والقرآن يردنا إلى النظر إلى الخلق وعواقب الأمور، واكبر الأخطاء والخطايا
التي ارتكبها المسلمون ويرتكبونها، أنهم لا ينظرون إلى العواقب. والمسلمون
بشر، وقد يكون ظنهم صحيحاً، وقد يكون خاطئاً، وقد يفهمون الحق وقد يخطئون في
فهمه، إذا لم ينظروا إلى خلق الله، والكتب لا يمكن أن تكون مصدر هداية إن ألغى
الناس النظر إلى عواقب الأمور وسنن الخلق، والكتاب يمكن أن يضل وأن يهدي، فمن لا
يعرف التاريخ يضل فيه وبه، ومن يعرف التاريخ وعواقب الأمور يهتدي به: (يُضِلُّ
بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ
الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ،
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ،
أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) ] البقرة: 2/26-27 [. كيف
نقطع القرآن عن العواقب؟ كيف قطعنا ما أمر الله به أن يوصل؟ كم مرّة أشرت إلى
أهمية التاريخ في كتاباتي وأحاديثي، وكم وجدت أن الناس لا يعرفون التاريخ، ولا
يفهمون إلا أنه الأشياء التي يكتبها الناس في مدح حكامهم، وفي تزيين الباطل؟ المسلمون
والتاريخ: إنني
أندهش كثير اً حين أكتشف أن التاريخ (أيام الله) يفهم فهماً خاطئاً ومبهجاً من
قبل المسلمين، الذين يتصورون أنه مجرد أكاذيب وفواحش ودجل وخداع، ولا يعرفون أنه
مختبر سلوك البشر، ومجال فرز الحق من الباطل، وميزان الفوز من الخسران. إنهم
يندهشون أيضاً حين أقول لهم: إن التاريخ ليس هو الكذب والدجل، وإنما هو المصير
الذي يؤول إليه الكذب أو الصدق. في
الحقيقة هم لا يعرفون التاريخ، ولا يدركون النور الذي ينبثق من الظلمات، ولذلك
فهم يعيشون في الكذب من أدنى المستويات إلى أعلاها، ويشعرون باليأس والشك والمقت
والحرمان. هذا
الطغيان والدجل والكذب يحمل بعضنا على مقابلته بالانفجار والتفجير أو الكذب
المقابل، ويسجل بهذا الأسلوب الانتحاري احتجاجه على الكذب. التاريخ
ليس أكاذيب ودجلاً، التاريخ هو معبد ذي الجلال والإكرام، هو محكمة الخالق العظيم
التي تحاسب الناس، لا تحاسبهم على ما في أذهانهم من الأهواء والظنون، ولا على ما
تخيلوه من السراب ن وعاقبة السراب لا يمكن أن تكون ماءً أو ظلاً: (حَتَّى إِذَا
جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ
حِسَابَهُ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ] النور: 24/39 [، التاريخ محكمة الحساب السريع، نعم الحساب السريع في الدنيا قبل
الآخرة. إن
من لا يعرف التاريخ، ولا يحدق فيه، يظن ويتوهم أنه لا يوجد حساب، ولذلك فهو بطيء
محبط، أما الذي يعرف التاريخ، فإنه يشعر بمعنى سرعة الحساب، الحساب الذي نعيشه
نحن في عصرنا هذا، يشعر بهذا من درس الأزمان التاريخية، والأحقاب الجيولوجية،
وكيف كان سيرها بطيئاً مملاً، وكيف صار التاريخ الآن بتسارع مستمر. كيف
نأخذ بأيدي الناس إلى معبد التاريخ، إلى الخشوع، إلى الجلال والجمال، إلى إبداع
الخالق العظيم، إلى نبضات القلوب، وإلى خفقات النفوس، إلى الأجنحة التي تهفو
للطيران، إلى ما في جوانحنا من شوق وتوق للعلو والصعود؟ كيف
نقترب من لحظة التجلي؟ كيف تقترب من لحظة ابن خلدون الذي قال: « التاريخ في
ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول.. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل
للكائنات ومبادئها دقيق،.. وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل
في الحكمة.. ». ماذا
أكتب هنا؟ عن أي مفتاح أبحث؟ أين هو الضوء؟ ما هي الأرضية التي أحاول أن امهد
عليها؟ ما هذا التاريخ؟ أي شيء هي هذه المرجعية التي أريد أن أستبدل بها
المرجعية الحديثة؟ ما معنى المرجعية؟ عن أي شيء أبحث؟ كيف سأجعل للتاريخ معنىً
مقدساً؟ لأي شيء كنت أسعى حين ذكرت سابقاً أنه علينا أن نتعلم أن نقرأ القرآن
قراءتين اثنتين، قراءة أساسها أن التاريخ من صنع الله، وقراءة أساسها أن التاريخ
من صنع البشر؟ ما هي الأشياء التي أريد أن أعرّف بها، وما هي أدوات المعرفة التي
امتلكها؟ أي قرون استشعار عليَّ أن استخدم للدخول إلى معنى التاريخ؟ ما ثمن
الدخول إلى معنى التاريخ؟ هل الدخول إلى هذا المعبد ميسور؟ ما هي الطرقات التي
ينبغي علينا أن نسلكها كي يسمح لنا بالدخول إلى حرمه؟ لماذا كانت مكة بوادٍ غير
ذي زرع، ولماذا وضعت حولها المواقيت التي لا يجوز لقاصد الحج أن يعبرها إلا
مُحْرِماً ينشد نشيد الحج؟ ألا يمكن للإنسان أن يزور حرم التاريخ إلا بشق
الأنفس؟ ما هي الهدايا التي اعتاد عليها في حياته كلها؟ هل عليه أن يخرج من
المحيط؟ هل عليه أن يرجع إلى الوراء وينزع عن نفسه الأوزار من زينة القوم التي
يحملها على ظهره، هل عليه أن يخرج من الرفث والفسوق والعصيان؟ التاريخ
والحجة الإبراهيمية كيف
ندخل معبد التاريخ، ما هي شروط الطهارة؟ ما هي طقوس هذا المعبد؟ متى وضع مخطط
هذا المعبد؟ من الذي شيد أسسه، ومن الذي سيفرش أرضه؟ كيف سنطهر هذا المعبد الذي
صار مركزاً للأوثان والأرجاس والغوايات؟ متى سيحل الرشاد فيه؟ متى سنعرف كيف
وضعت أسسه، وما هو تاريخه؟ متى سنفهم أذان إبراهيم عليه السلام؟ ماذا كان يُبنى
في مصر على يد الفراعنة حين بنى إبراهيم عليه السلام البيت الحرام؟ إبراهيم الذي
وضع المرجعة التي يمكن من معرفة الحق والباطل، والنافع من الضار، وذلك حين قال
لقومه: (ما هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) ] الأنبياء: 21/52 [ ، (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأبِيهِ
وَقَوْمِهِ: مَا تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا
عَاكِفِينَ، قَالَ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ
أَوْ يَضُرُّونَ؟ قَالُوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ] الشعراء: 69-74 [. كأنهم
يقولون: نحن لا نبحث الموضوع على أساس النفع والضرر، نحن نبحثه على أساس ما
وجدنا عليه آباءنا. لماذا
الآباء مصدر المعرفة؟ لماذا كان الاقتصار على أعمالهم دون النظر إلى عواقب
أفعالهم؟ لماذا لا زال الآباء مصدر معرفتنا؟ كيف نستطيع أن نجعل الآباء مصدراً
للمعرفة الصحيحة؟ حين
نحاكم أعمالهم إلى ميزان التاريخ الذي يذهب الزبد فيه جفاءً، ويمكث في الأرض ما
ينفع الناس. حين
قال الصوفية قوله المشهور: « من لا شيخ له فشيخه الشيطان »، فإن هذا القول ليس
باطلاً كله، بل إن نصفه صحيح، إذ لا يمكن لأحد أن يتعلم الحروف الهجائية بدون
شيخ، بدون أستاذ، بدون أب، فالأب والأستاذ ضروريان، وإلا كان علينا أن نعود
بالتاريخ إلى ما قبل كشف الآباء للحروف الهجائية. ولكن،
في الوقت نفسه، لا يجوز لنا أن نقف عندما وصل إليه الآباء، وإلا بقينا على سفك
الدماء وذبح الأبناء، ولم ندخل إلى ملة إبراهيم الذي أبطل القربان البشري، أو
فتح باب إلغاء القربان البشري. المقصود
هو: كيف نستفيد من الآباء دون أن يتحولوا إلى أغلال في أعناقنا وآصار على
ظهورنا. وكما قال مالك بن بني نبي،: « ليت الأثقال التي على ظهورهم ندفنها معهم
حين موتهم، ولكننا نحولها إلى ظهورنا ». وعلى
كل فإن المثل القائل: « رُمي الطفل مع ماء غسيله » يذكرنا بضرورة تمييز الحق من
الباطل، فإن لم نميز نحن، فإن الله سيفعل ذلك، وهذا قانونه الذي يذهب الزبد
جفاءً، ويُبقي في الأرض ما ينفع الناس، ونحن إذا تعلمنا نستطيع أن نتعلم من
النصيحة، فيكفينا بطل وضحية واحدة، بدل آلاف الضحايا التي نحصدها دون أن نعتبر
بها. يقول
الله تعالى عن إبراهيم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) ] الأنعام: 6/83 [، ويقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) ] الأنبياء: 21/51 [. لقد
وضعت حجة إبراهيم على قومه في هذه الآية السهلة البسيطة القريبة: (هل
يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟) إن الحجة الإبراهيمية هي النفع والضرر. |
|
|