القرآن بالمواقف التاريخية الصحيحة

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

احتفال

إن القرآن يهتم بالمواقف الصحيحة ويبرزها ولو كانت فكرة شخص واحد في حضارة ضخمة، وإن أصحاب هذه الحضارة لا يسجلونها، انظر كيف سجّل موقف مؤمن آل فرعون: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) ] غافر: 40/28 [، لقد ألغى القرآن فرعون وعمله وأتباعه، وزكى رجلاً واحداً من كل هذا التاريخ.

نعم إن في التاريخ فساداً، وسفكاً للدماء يتبع سفكاً، ولكن فيه أيضاً النظر إلى ما حل بهؤلاء الغافلين المفسدين السافكين للدماء.

انظر إلى مؤمن آخر تحدث عنه الله في سورة (يس): (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى،  قَالَ: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ] يس: 36/20-21 [.

لقد سجل الله تعالى موقف هذا الرجل، وهو بهذا ينتقي مواقف محددة، أو موقف شخص واحد في حضارة بأكملها ليزكيه، ولكن التاريخ المسجل لا يذكر موقف مثل هذا الرجل الذي أبدع موقفاً صالحاً وقابلاً لأن يكون بذرة لتطور جديد في الحياة القادمة.

بين النظر والانتظار

قد يكون التاريخ سجلاً لمراكز الشرطة التي لا تسجل إلا الأعمال القبيحة، ولكن التاريخ هو الذي يفرز الزبد من النافع، التاريخ هو الذي يحفظ النافع ويلغي الضّار، التاريخ هو الذي يفصل بين الحق والباطل، التاريخ هو الزمان والمكان الذي تتجلى فيه سنة الله في الإبداع والتقدم إلى الأفضل، التاريخ هو معرفة البدء، هو معرفة الأول، هو معرفة النماء والتحول والتغير، إنه معرفة الكيف، والكيف هو التحول والصيرورة، وكيف بدأ الخلق، التاريخ هو الماضي والحاضر والمستقبل، التاريخ هو الذي يجعلك تصل إلى معرفة الغيب (القَبل والبَعد)، فمعرفة القبل تفرض عليك التدبر والتفكر في البعد، في الكيفية التي ولد بها علم المستقبل، والكيفية التي يولد فيها التفكير في الغيب، فكيف يبرز التفكر في المستقبل؟ إنه يبرز من

انظروا إلى الحاضر الذي هو أمامكم واربطوه بالماضي الذي هو خلفكم، اربطوا (انْظُروا) بـ (انْتَظِروا).

كيف نتعلم الوصل والقطع؟ كيف نتعلم أن لا نقطع ما أمر الله به أن يوصل؟ كيف نفهم المرجعية؟ كيف نفهم معنى العلم والعقل؟ كيف نكشف أن الحق مرجعه إلى التاريخ، إلى عواقب الأمور؟