آدم ومشكلة الفساد

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

ابن

حين كتبت عن مذهب أن آدم ؛ اخترت هذا العنوان، لأنني كنت أحسُّ أن هذا الموضوع هو مشكلة الإنسان من عهد ابن آدم الأول القديم في التاريخ، إلى المستقبل الذي يمكن أن يخضع لمنظورنا.

كانت التهمة التي وجهت للإنسان حين استخلف في الأرض انه سَيُفْسِدُ فيها ويسفك الدماء، ولو كان هناك ذنب أكبر في إدانة الإنسان لاتُّهم به.

لقد ذكروا الفساد وسفك الدماء، ولم يذكروا عدم الإيمان بالله واليوم الآخر وممارسته التوجه إلى المشرق والمغرب، وهذا دل على أن مشكلة الفساد وسفك الدماء هي أمُّ المشكلات، وان التصورات التي تؤدى إلى ممارسة هذا الطقس الفظيع ؛ هي من أكبر العيوب التي يمكن أن توجَّه للإنسان الإدانة عليها.

أشعر أن هذه التهمة التي وجهتها الملائكة للإنسان، هي التهمة التي سيوجهها الناس في المستقبل البعيد، وسيتساءلون: كيف كان الناس يمارسون هذه الطقوس؟، وسيتعجبون كثيراً، وسيحمدون الله لأنهم تخلصوا من تقديم القرابين البشرية.

وكلما قرأت أو تذكرت عادات المكسيكيين في تقديم القرابين البشرية الكثيرة العدد، وإخراج قلوبها وهي تنبض، شعرت انه لابد من دراسة هذا الموضوع، وتحليل الإنسان الذي يحمل طبيعة مزدوجة قابلة للتزكية وقابلة للتدسية، والمكسيكيون الذين نتحدث عنهم كانوا يعيشون بعد نزول القرآن وختم النوبات، ولذلك لابد من إعادة دراسة الوضع البشري الذي كان يعيش عليه المكسيكيون، وأحداث التاريخ قابلة لأن يعاد فهمها وتفسيرها من جديد في كل عصر، والإسلام الذي جاء به الأنبياء جميعاً سيُكتشف، وسيعاد فهمه وتفسيره في كل عصر بما يتلاءم مع الأوضاع التاريخية لذلك العصر، وسنفهم من جديد كيف كشف الإنسان النار والزراعة والكتابة.

إنني كلما تحدثت عن التهمة الموجهة للإنسان من الفساد وسفك الدماء، وعن جواب الله تعالى عن هذه التهمة وهو أن الله يعلم في هذا الإنسان ما لم يعلمه المتَّهِمون ؛ أواجه بالسؤال التقليدي الذي يُضيع مغزى الحديث وأهمية الموضوع، وهو قولهم: كيف علموا أن هذا المخلوق سيفسد في الأرض ويسفك الدماء؟

إنهم يبخعون الموضوع، ويضيعون المغزى والهدف من الخبر، وذلك حين يتناولون الجانب الذي لا يتصل بحلِّ المشكلة التي أراد الله أن يسوق الخبر من جله، فهم لا يوجهون انتباههم إلى الكيفية التي نتخلص بها ن التهمة، بل يتوجهون إلى السؤال عن الكيفية التي مكنت الملائكة من معرفة مستقبل الإنسان وفساده وسفكه للدماء، مع أن الله تعالى لم يبحث هذا الأمر وإنما قال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ] البقرة: 2/30 [، أعلم في هذا الإنسان شيئاً يختلف عن العلم الذي عندكم عنه، ثم قال بعد ذلك مباشرة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) ] البقرة: 2/31 [.

من الذي سيكتب عن قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)؟ لا بل من هم الذين سيكتبون عن علم آدم للأسماء؟

إن أهمية هذا الموضوع تكمن في أن الله تعالى أشار بهذا إلى الميزة التي يمتاز بها آدم عن باقي المخلوقات، ميزة التعلم بالرمز، وبهذا سيتجاوز الإنسان الفساد وسفك الدماء.

بهذه الميزة العجيبة، والأداة التي تحصد المعرفة يتمكن الإنسان من الارتقاء، والتخلص من مشاكل الفساد وسفك الدماء، ومن لا يتذوق معاني (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ) لا يدخل إلى عالم الإنسان وإمكاناته، ولهذا لابد من بحث هذا الموضوع، حتى ولو كمقدمة ومدخل لدراسة الإنسان.

إذن، كيف سندخل إلى مذهب ابن آدم ونحن لا نملك أدوات البحث والمعرفة؟ ونحن لا نعرف الإمكانيات المستقبلية البسيطة المرتبطة بتعلم آدم للأسماء، وبالإمكانيات التي تحققت في الماضي بواسطة قدرة آدم على إطلاق الأسماء.

وكما نُواجَه اليوم بسؤالٍ عن الكيفية التي علمت الملائكة بها أن الإنسان سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، كذلك واجه الأولون موضوع تعلم آدم للأسماء بمثل هذا الإحباط والتشويه، حين بحثوا عن الأسماء التي تعلمها آدم، وعن اللغة التي تعلم بها هذه الأسماء، ولم يبحثوا في أن الأسماء المنطوقة أولاً، والمكتوبة ثانياً هي الوسيلة الوحيدة لنقل الخبرات من دماغ إنسان إلى دماغ إنسان آخر، وأنَّ الإنسان بهذه الوسيلة يتمكن من تزكية نفسه أو تدسيتها.

كيف نبدأ البحث ومن أين؟ وماذا سنقول فيه؟ وهل سنتمكن بالبحث والكتابة من تقريب الموضوع وتبسيطه؟

أظن أننا يمكن أن نزيد في الموضوع، مهما كانت هذه الزيادة ضئيلة، وما ينبغي أن نبخس جهودنا مهما كانت جدواها قليلة، فإذا علمنا الكيفية التي حدث بها التقدم البشري عبر النمو البطيء  والكئيب والمضني، والكم الهائل من البشر الذين ماتوا، والذين عانوا الكثير من الآلام، حتى حدث هذا التقدم البطيء، بهذه المعرفة نستطيع أن نحدد اتجاهاتنا المستقبلية، وما علينا أن نقو به في سبيل التقدم المنشود.

إنها لجهود مباركة ومقدسة مهما كانت ضئيلة، ومن عرف ما بُذل في سبيل دفع المعرفة إلى الأمام ؛ لم يحقر جهوده مهما كانت ضئيلة، وعلى هذا الأساس ستتواصل محاولات تسلق الحائط الأملس الذي علينا أن نتجاوزه.

أثر المناخ الثقافي في آلية تفكير الإنسان

الموضوع أولاً ليس موضوع تقديم أدلة للإقناع، بل هو بحث في موقف الإنسان من الأدلة، لمعرفة الكيفية التي يصنع بها هذا الموقف، وتحديد الشروط التي ينبغي أن تتوفر في دليل ما ليكون مقبولاً في جوٍّ ثقافي ما، والشروط التي ينبغي أن تتوفر في الإنسان ليصل إلى درجة القدرة على تأمل الدليل والتعامل معه. إنه بحث في ما يحدث داخل الإنسان.

إننا إن لم نمتلك تصوراً عن الوضع الإنساني الذي يحدد فهم الإنسان لموضوع ما أو قدرته على التعامل مع الأدلة ؛ فإن جهودنا التي نبذلها تكون عديمة الفائدة، فلابد إذن من العودة إلى الخلف، كي نتمكن من القفز إلى الأمام.

لقد مرّت البشرية بمراحل ينبغي أن نستحضرها ولا ننساها أو نغفل عنها، ولكن ما هي شروط استحضارها؟ ولماذا يكثر القرآن من الدعوة إلى الذكر والتذكير وعدم الوقوع في الغفلة؟ وكم هي مرّات التذكير التي ينبغي أن نقوم بها حتى يبدأ التذكر؟

يحدثنا القرآن بأن البشر يصلون إلى درجة من عدم القدرة على الفهم، تجعلهم لا يسعون إلى الفهم، وليس هذا فحسب ؛ بل يقاومون الفهم بكل جهودهم.

فالإنسان يصل إلى درجة لا يكون قابلاً معها للفهم، وإنه لممتع أن نتبع الوضع الإنساني في القرآن، وذلك حين يصف من أحواله أنه يرفض التأمل، ويعجز عن الفهم والتذكر.

ينبغي أن ندرس هذه الحالات، والحالات الأخرى التي تجعله يفهم الموضوع على عكسه، ويرى السيئ حسناً، والحسن سيئاً: (زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) ] فاطر: 35/8 [، ولا ينتفع من سمعه وبصره: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ، وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ] البقرة: 2/6-7 [، بل إنه يصل إلى درجة يقبل معها تقديم نفسه والآخرين قرابين في سبيل الحفاظ على ما في ذهنه.

إنني أقترح على الشباب الذين يدرسون الدراسات النفسيَّة والاجتماعيَّة، ويتأملون في تاريخ الأفكار، وفي علاقة الإنسان بها، وينظرون إلى ما يقدمه القرآن في هذا الموضوع ؛ أن يجعلوا من هذه النقاط مشاريع أبحاث يقدمونه في أطروحاتهم، ويتعمقون في دراستها وتوضيحها، ويتعرفون مدى عمومية هذه الحالات في البشر والظروف التي ترافقها، والصعوبات التي تحول دون كشفها في المجتمعات.

إن دراسة الناس للمجتمعات الأخرى غير مجتمعهم، تمكنهم من فهم وإدراك أنّ الناس يرون الحسنة سيئة والسيئة حسنة، ولكنهم ينزهون أنفسهم عن أن يصابوا بهذا المرض، وقد بدأت الدراسات الإنسانية بالكشف عن هذه الحالات.

كيف نخدع المرء نفسه دون أن يشعر؟ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ، قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) ] البقرة: 2/11-12 [، (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) ] الكهف: 18/57 [.