طاعة في معصية

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

لا

لقد جاء الأنبياء بشيء عجيب، جاؤوا بفكرة « لا طاعة في معصية »(1).

هذه الفكرة عميقة وبسيطة وصعبة في آن واحد، وعمقها نابع من بساطتها، وصعوبتها تكمن في سهولتها.

لا طاعة في معصية، لا تنفيذ للأوامر دون قانون، دون شرط، لقد أدخل الأنبياء إلى الناس هذه الفكرة الانقلابية (الكوبرنيكية) في سلوك الإنسان.

« لا طاعة في معصية»!!..

ما هي المعصية؟ كيف نفهمها أم كيف نفهم الطاعة، كيف نحصل على الفرقان والميزان، كيف، كيف؟

نعم، هذا ما أريد أن أبحثه واكشفه، أريد أن ابحث معنى الطاعة ومعنى المعصية، متى تحين هذه، ومتى تحين تلك؟ ما هو الميزان الذي يبين كل هذا؟ حقاً إنها فكرة علوية إلهية.

الإلهي السماوي والسفلي الأرضي

الطاعة لله والمعصية للطاغوت!!..

ولكن كيف نتعرف على الله،  وكيف نتعرف على الطاغوت؟

ينبغي أن نجد دليلاً على هذا الشيء العلوي السماوي من العالم السفلي الأرضي، لأن العلوي السماوي جعل برهانه ودليله في العالم الأرضي السفلي، وما ذلك إلا لأن هذا العالم هو الذي يقع تحت أسماعنا وأبصارنا، وهو الذي نستطيع أن نفهمه وندرسه، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يقيم الدليل الأرضي على هذا العلوي السماوي؟!!..

إن العلوي يأمرنا أن ننظر إلى العواقب، وأن ننظر إلى الخسائر والمرابح، ويقول لنا: انظروا إلى الإحصاءات، انظروا إلى المثلات.

هذا العلوي يمكن ألا يكون حقيقياً، بالنسبة لنا، إلا إذا كان دليله سفلياً وأرضياً وواقعياً وعينياً وبصرياً وإحصائياً (رياضيات، حساب، لمس،..).

أين ورثة الأنبياء الذين يجعلون الأرض تُحدِّث اللَّغو والاشتباه والالتباس، وتحدث الحيرة، وتسيطر العبثية والتشاؤم، وتتراخى الجهود.

إنهم يلغون:

(لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ] فصلت: 41/26 [.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) ] الصف: 61/8 [.

يريدون للسحر أن يبقى:

(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ] طه: 20/69 [.

من الذي سيجعل الفرقان بيد الناس؟

من ذا الذي سيجعلنا نفهم أن الله معنا في الأرض كما هو في السماء؟ نلقاه عند المريض، عند الجائع، عند الجاهل ؛ حينما نكون معهم نكون مع الله.

إنه قريب، وقريب جداً، وأقرب من حبل الوريد، وأقرب إلينا من جارنا الجاهل الذي هو أحوج ما يكون إلى المعرفة، إلى الفرقان، إلى حقنة إنعاش!!..

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ] الأنعام: 6/82-83 [، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) ] النساء: 4/82 [.

ينبغي علينا أن نتأمل في الجهاز الاجتماعي دائماً، وان نتفكر في الكتاب وفق إشارات الواقع، وان نتفكر في الواقع وفق إشارات الكتاب.

إن الكون مسخر للإنسان، بما في ذلك المجتمع، أي أن بإمكان الإنسان أن يسخر المجتمع ويجعله منضبطاً بقوانين التزكية والتدسية، كل هذا بالتعامل مع القابلية الموجودة في الإنسان، وبالتعامل مع القوة الموجودة لدى هذا الإنسان، والتي تجعله قبلاً للتزكية والتدسية.

الإيمان والظلم

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)، لكي نتعامل مع الإنسان من منظور هذه الآية ينبغي أن نعرف الإيمان والظلم، وإمكانية الالتباس بينهما، وأن الأمن والهداية إنما يحدثان حين يزول الالتباس بين الإيمان والظلم.

إذن، ينبغي علينا أولاً أن نفصل بدقة بين الإيمان والظلم، فإذا زال اللبس حصلت الهداية والأمن.

هل نستطيع أن تقترب من فهم كلٍ من الإيمان والظلم؟

لعل إمكانية فهم الظل أقرب من إمكانية فهم الإيمان، ولكن الإيمان يتوضح حين نفهم الظلم، فالإيمان قد يكون بالحق وقد يكون بالباطل، قد يكون إيماناً بالله، وقد يكون إيماناً بالطاغوت.

إننا إن نظرنا إلى العالم نجد أنَّ الإيمان موجود إلى درجة أن في الناس من يحرق نفسه في سبيل ما يؤمن به، ويبذل ماله وكل إمكاناته في سبيل معتقده الذي ربما يكون خطأ، ولكنّ هذا الإيمان مبعثر، وليس هذا فحسب ؛ بل إن هذا الإيمان قد يكون عاملاً سلبياً، والذي يكون عاملاً سلبياً، والذي يوجهه إلى الإيجاب أو السلب هو نحن، ولذلك علينا أن نبحث في الكيفية التي تمكننا من أن نوجهه إلى الإيجاب لا إلى السلب، وهذا ما سيؤدي بنا إلى فهم موضوع الظلم.

الظلم ضد العدل، وبضدها تتميز الأشياء، والعدل هو المساواة، ويقال للكيس الذي يُحمل على جانب من البعير عدل، ويكون على البعير عدلان، أي كيسان متعادلان، ليتوازن الحمل على ظهره، وكلما كانا متساويين كان الحمل أكثر توازناً، وإذا اختلفا اختل الحمل وصعب تحقيق التوازن.

الْعَدْلُ هو أن تعطي للآخر مثل ما تعطي لنفسك، أو أن تعطي لنفسك مثل ما تعطي للآخر، وحين ترفض هذا تكون واقعاً في الظلم، وبقدر رفضك للعدل بقدر ما تقع في الظلم، إن قليلاً فقليل، أو كثيراً فكثير.

تأمل هذا ولا تضيعه، ولا يلتبس عليك، لأنه بقدر ما يلتبس عليك بقدر ما تفقد من الأمن والهداية، والمجتمع الذي يقع فيه الالتباس، ويختلط نظامه بالظلم، يفقد أبناؤه الأمن والهداية.

أحياناً أشعر أنني أقترب من الإمساك بتقنية المجتمع،وأشعر أن آليات المجتمع قد خرجت من الظلام وصارت تحت الضوء، فكيف نحتفظ بالنور، كيف نمسك بالضياء لإزالة اللبس، وللامساك بالأمن الداخلي والراحة النفسية والإحساس بالهداية؟

إن الأمن أهم من الهداية، لأنك إذا حصلت على الأمن شعرت انك مهتد، وما دمت خائفاً فإنك لم تهتد ولم يحصل لك الأمن.

نعم، قف عند المكان الذي تشعر فيه أنك أضعت المفاتيح وغاب عنك النور وحصل لديك الالتباس.

كيف أستطيع أن أمسك بالإيمان الذي ليس ملتبساً بظلم حتى أحصِّل الأمن والهداية؟

 

 

 



(1) رواه  البخاري في الاحكام ، باب : السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية ، رقبم ( 6725 ) ومسلم في الامارة ، باب : وجوب طاعة الامراء في غير معصية ، رقم ( 1839 ) .