|
جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم)) |
القرآن
|
|
|
أريد أن أحيي
نموذجاً من النماذج التي مرّت على البشرية خلال التاريخ، لأنني أرى فيه تجسيداً
لمنهج القرآن، ولابد من وضعه تحت الضوء. إن القرآن، ورغم سعته،
لم يذكر الوضوء والميراث إلاّ مرتين، ولكن كم مرّة ذكر قصص التاريخ، ووقائع
القرون الماضية، وسنن الهلاك، وعاقبة الذين لا يعتبرون بالتاريخ، ولا يصدقون أن
في التاريخ وأحداث القرون عبرةً وعظة، ولا يتمكنون من فهم أو تصديق أن أحداث
التاريخ هي مرجع القرآن، ومرجعنا لنفهم أن أحكام القرآن صادقة؟ كيف نرجع للتاريخ
قيمته المرجعية؟ كيف ألغينا التاريخ؟ وكيف رفعنا أنفسنا فوق التاريخ وفوق قوانينه وفوق البشر؟ الإنسان
والكبر: إن السكر الكبر
والإدمان المستعصي، الذي يمسك بخناق الناس، ويسد عليهم منافذ الفهم ؛ هو رفعهم
لأنفسهم فوق مستواهم البشري، مما يجعلهم يعتقدون انهم ليسوا مثل الناس، وانهم
مخلوقات لأخرى، وهذا هو مذهب إبليس، ومن اتخذ سبيل إبليس، أو ابتلي به ؛ حرم من
الهداية والتوبة والتراجع، وصار يتحدى الله والأنبياء والبشر، يقول:
(لأُضِلَّنَّهُمْ) ] النساء: 4/119 [ و (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ) ] الحجر: 15/39 [ و (لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ] الأعراف: 7/16 [ و (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلاَّ قَلِيلاً) ] الإسراء: 17/62 [. الاستكبار هو بضاعة إبليس، وهو أن ترى نفسك وعشيرتك وقومك
ومذهبك ودينك فوق الناس، وإنكم أحباء الله وأبناؤه الوحيدون وعياله المفضلون،
سواء عملتم الصالحات أم لم تعلموها، وإنكم لقرابتكم لستم بحاجة إلى صالح
الأعمال، فأنتم المفضلون عند الله بالانتساب فقط ولو من دون أعمال، وانه لن يدخل
الجنة إلاّ من كان منكم، وان الآخرين ليسوا على شيء. والكبر هو الذي يجعلك تحتقر
الآخرين وتحتفظ لنفسك بالامتيازات، وترفض أن يطبق عليك القانون الذي يطبّق على
البشر، هذا الموقف الإبليسي لا يجعلك قريباً من الله، بل مطروداً من رحمته وقريباً
من عذابه. ما هذا الكبر الخبيث
الملوث، الذي مثقالُ ذرة منه تمنع الإنسان من الدخول إلى الجنة: « لا يدخل الجنة
من كان في قلبه مثقال حبة من كبر »(1)،
ياله من جرثوم خبيث يحوَّل الإنسان المكرم إلى محروم ومطرود من رحمة الله، وفي
جملة الصّاغرين: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ
اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) ] الحجر: 15/34-35 [. تأمل إلى مرض الكبر
وجرثوم الكبر الذي لا يجوز لأحد من الخلق أن يدعيه: إن الكبرياء رداء ذي الجلال،
من حاول أن يتقمصه أُخرج من رجمة الله مدحوراً. إن ابن آدم لم يكن
متكبراً، لكنه كان كبيراً جداً، لنه رفض الكبر والكبرياء، ولا يمكن أن يخطر في
بال من كان على مذهبه وعلى موقفه وعلى الخلفية التي كان ينطلق منها أن يتكبر،
ولا أن ينزل إلى ساحته مثقال ذرة من الكبر، إنه بموقفه هذا حصن نفسه من الكبر،
ومن بلغ هذا المبلغ لن يجد الكبر إلى نفسه سبيلاً. عن
الذي ل يتطهر إلى هذه الدرجة لا يمكن أن يكون جندياً لله، ولا عبداً له، ومن كان
يطيع هواه أو احداً من العباد في قتل النفس التي حرّمها الله لا يمكن أن يدخل في
جنود الله الذين يكونون موضع أمانة، بحيث يكون أهلاً لأن توضع في عنقه أرواح الناس
وحمايتها. |
|
|