والهوى

جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم))

 

العلم

أضع هذا العنوان ولا أزعم أني موافيك بما يشفي غليلك في هذا الموضوع، وإنما أطرق باباً أشعر بأهميته وأثره البالغ على سلوك الناس. إن استمرار البحث والدرس والتأمل في الأحداث يهدي الباحث إلى أن يقترب إلى ما هو أوضح وأبين وأقرب إلى العلم.

إن وضع العلم على أته مقابل للهوى يوحي بأنهما متضادان، ولقد ورد الهوى في القرآن في موضع الاتهام والتحذير منه والنهي عن اتباعه، سواء كان الاتباع لهوى النفس ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه …) ( الجاثية - 23 -) ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) ( القصص / 50) ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) ( الكهف / 28). أو كان الاتباع لأهواء الآخرين كقوله تعالى: ( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين) ( البقرة - 145) ولقد زكى القرآن من ينهى النفس عن الهوى لأن اتباع الهوى يصرف عن العدل ويوقع في الظلم ويضل عن سبيل الله.. ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) ( النساء - 135)، ( فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ( ص / 26) ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم) ( الأنعام / 119).

ولكن كيف نعرف الهوى؟ كيف نشعر به ونحس به في أنفسنا وأنفس الآخرين؟ وكيف نتعرف على مداخله ومسالكه؟ كيف يتكون الهوى؟ وكيف نكشفه؟ وكيف نتخلص منه؟ ولقد بلغ ببعض الناس أن قال: إذا أرادت النجاة فاترك ما تهوى إليه نفسك. قال البوصيري في هذا المعنى:

وخالف النفس والشيطان واعصمهما

وإن هما محضاك النصح فاتّهم

ولعلماء النفس وقفات عند الهوى يجدر تأملها.

ولا أبالغ إذا قلت إنه لا يحدث نزاع في العالم بين الناس إلا وللهوى مقام مكين فيه، فالهوى يلوّن الرؤية، وكل يرى الموضوع على خلاف ما يراه الآخر. والهوى أقوى ما يكون عند الأطفال والجاهلين من الناس وأقلهم علماً بالتاريخ وأحداث العالم وسنن الكون، فإذا قل العلم كثرُ الهوى.. وما ينفع الإنسان ويضره، وما يتصل به وبأولاده وأعماله ومذهبه وقومه.. يؤثر في موقفه، حيث يتدخل الهوى في الحكم ويحجب الرؤية الموضوعية للأمور فلا يعود الإنسان يراها كما يراها غيره، وموقف الإنسان هذا يحدث لديه بغير علم ولا شعور في الغالب. وقد أدركت الثقافات البشرية هذا الجانب، فكل الشعوب عندها أمثال توضح كيف يؤثر الهوى في الحكم على الأشياء. ففي الأمثال الشعبية نجد ( أكره من يمدح نفسه وأساوي تسعة رجال). وفي حديقة أطفال أخذ أحد الصغار يزعق من غير توقف، وصادف أن جدته - وهي مديرة المؤسسة - كانت في الصف فقالت للخادمة: ( لو لم يكن حفيدي لقلت إنه مزعج أما وهو حفيدي! فأقول: إن لديه موهبة قيادية). وهكذا يرى الإنسان الساذج ما يتصل به غير ما يتصل بالآخر، أقذاره مختلفة ليست كأقذار الآخرين.. وربما أكثر الناس شعوراً بالأهواء القضاة أمام المتنازعين. والله تعالى يقص علينا قصة الهوى وكيف يحرف قلوب الناس ويلوي أعناقهم. ففي قصة داود عليه السلام يقول الله تعالى لداود: ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ( ص / 26)، هذا توجيه من الله تعالى لمن صار في مكان الحاكم بين الناس. وقصة الذين تسوروا المحراب قصة رائعة في توضيح الهوى في سورة ( ص). وقبل بدء القصة يذكر الله تعالى محمداً r الذي لاقى العنت من قومه الذين ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) ( ص / 5) ويقول الله تعالى بعد ذلك لنبيه: ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب. وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) ( ص / 17 - 20). يصف الله تعالى داود بهذه الأوصاف الجليلة ولاسيما إيتاؤه الحكمة والملك المكين وفصل الخطاب، وبعد هذا يقول: ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب. إذ دخلوا على داود ففزع منهم. قالوا: لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال: أكفلنيها وعزني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم. وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب. فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب.  يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ( ص / 21 - 23).

والشاهد في القصة الخصمان، الذي عنده نعجة واحدة وهو يعرض القضية مندهشاً والآخر الذي عنده تسع وتسعون نعجة. فالذي عنده مئة إلا واحدة شعر بالحاجة إلى أن يضم النعجة الواحدة إلى التسع والتسعين لتصبح مئة، وساق حججاً على أنه هو أولى بهذه النعجة من صاحبها حتى شعر صاحب النعجة الواحدة بأنه مغلوب إزاء هذه الحجج.. إن الذين لهم صلة بأصحاب الأموال والأنعام والأراضي.. يعرفون من أمورهم ما يدهش، فالقناطير المقنطرة تفعل الأفاعيل.. إن هذه الحادثة - وكثيراً مثلها يقع في الحياة اليومية بين الناس - تظهر مقدار ما يفعل الهوى بالناس..

إن النزاع بين النساء والرجال والاخوة وأصحاب الأسرة الواحدة والجيران، جيران البيوت أو جيران القرى والأقطار.. إن النزاعات سببها في أن كل واحد يرى الموضوع على غير ما يراه الآخر، حتى إن مالك التسعة والتسعين يشعر بالحاجة إلى أن يسلب مالك الواحد ليضم الواحد إلى ملكه..

أرى أن هذا مثل رائع على هذه المشكلة العالمية، وعبرة من العبر. والإنسان حين يرى مثل هذا النبأ يراجع نفسه ويقول: كلنا نقع في هذا. ولكن المشكلة أن الإنسان - بشكل عام - لا يرى إلا نفسه ولا يرى إلا ذاته وأناه، وأن الآخر لا شيء. هذا مثل على الهوى كيف يضل عن سبيل الله، وكيف يجعل الإنسان أعمى وأصم، وفي الحديث الشريف: « حبك الشيء يعمي ويصم » ( رواه أبو داود في سننه) لهذا داود نفسه - عليه السلام - تأثر من هذا النبأ وشعر كيف أن الإنسان معرض لأن يؤثر الهوى فيه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب.

هذا ما أراه من مغزى هذه القصة. إنها مشكلة عالمية اجتماعية، مشكلة كل أسرة ومشكلة مجلس الأمن الدولي ومشكلة سكان هذا الكوكب وحيث وجد شخصان.

إن منشأ الهوى حب الذات، وهو وإن كان يؤدي دوراً إيجابياً في حفظ الحياة الذاتية إلا إنه لابد من تجاوز هذا الدور حتى لا يبقى محصوراً في هذه الدائرة الفردية وذلك لصالح الذات، حيث لابد أن تعيش الذات في الحياة الاجتماعية، ولابد أن يعي الفرد أم وجوده صار مرتبطاً بالمجتمع، فلابد أن يتنازل عن هواه ويعتبره عدواً قابعً في نفسه يعيق نموه وتطوره إلى الأعلى، ولابد أن يتخلص من نوازعه الفردية ليرتقي إلى الدوافع الاجتماعية، وهذه نقلة من الأنانية إلى الإيثار، إلى الغيرة، لأن نمو الحياة الاجتماعية في أسمى صوره مبني على الإيثار. ويمدح الله المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم حاجة ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ( الحشر / 9).

إن هذا الموضوع متصل بالنزاعات بين البشر بأسبابها وكيفية حلها، والاعتبار بالتاريخ، إن سعة وسائل الاتصال وسرعتها تعرض المشكلات العالمية والدولية بشكل شبيه جداً بالنزاعات داخل الأسرة الواحدة في توزيع المغارم والمغانم وأسلوب الخطاب وتفسير الخطاب وما فيه من حرج ونقد وغمط وتضخيم وتحقير..

إننا نعيش في عمق الهوى حين نرى الأطفال يتخاصمون ويتنازعون على أدوارهم وأدواتهم وألعابهم. كما نرى ذلك على مستوى قادة السياسة في العالم.

كذلك نشاهد هذا الحوار - حوار الطرشان - بين المتقاتلين باللسان أو السنان، فما يقوم به الآخر همجية ووحشة وإرهاب ولا إنسانية وعدوان، وما يقوم به هو حماية وأمن للمواطنين الأبرياء ومجال أم ودفاع عن كل ما يجعل الحياة مقبولة أن يعاش فيها.

لقد تغلب العالم على هذه المشكلة داخل الدولة الواحدة بوضع القوانين وتنظيم القضاء حيث يتحاكم المتنازعون إلى المحاكم، ويصدر القضاة الأحكام بدرجات مختلفة في قربها إلى العدل، وهذا أفضل من أن  يترك لكل فرد أخذ حقه بنفسه، حتى لا تعود الحياة إلى قانون الغاب وتصبح خالية من الاخوة، موزعة بين الاستكبار والاستضعاف. فيا حبذا لو تصل مجموعة الدول إلى مثل ما وصلت إليه الدولة الواحدة.

إن القانون الدولي حبر على ورق، ومحكمة العدل الدولية لا تجري على الألسنة ولا وظيفة لها، فلابد من جعل المؤسسات العالمية فعالة بتآزر أصحاب المصالح الحقيقية من مستضعفي العالم لمنع الحروب كما في الدولة الواحدة، لمنع الحروب العرقية أو الثقافية الطبقية والإقليمية النابعة في مختلف الأهواء. وما هو أقرب للإنصاف هو التحاكم إلى طرف ثالث بعيد الصلة عن الطرفين لأنه أجدر برؤية الباغي، لأن كلاً من الباغي وغريمه غير قادرين على رؤية الموضوع كما هو.

إن عالمنا تحكمه الأهواء، ولا يزال عاجزاً عن لجمها، وهي التي تحدث الفساد في العالم و( لقد حاولت منظمة الأمم المتحدة وضع تعريف للفظة « اعتداء ». إلا أنها تخلت عن هذه المحاولة، وأخيراً تقرر أن لفظة اعتداء تعبر عن فكرة قائمة بذاتها لا تعير نفسها للتعريف)( 1). وسبب الفشل في التعريف أن كل طرف يفسر الموضوع من زاوية رؤيته الخاصة فيفسره على هواه. ولو أن القاضي في المحكمة أخذ بهذا الرأي - لتعريف الاعتداء - لما كان هناك إدانة لأحد بالاعتداء، ولكن قانون الغاب يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً. والذي يفصل في الأمور هو الأقوى، والذي يفسر الاعتداء هو المنتصر.

ورؤية الهوى صعبة، والإحساس به عسير لأن الهوى في حقيقته ظلم للنفس وإن كانفي ظاهره حباً لها، ولهذا فإن الهوى يخدع الناس ويصرعهم ويجعلهم في موضوع الامتحان، وكشفه آية الذكاء … وفي التاريخ عبرة والتأمل فيه يوقظ الإنسان ويعلمه موضع الخطأ ومسالك الهوى في الخداع.

والله سبحانه وتعالى يسمي المخطئ ظالماً لنفسه. والإنسان عادة لا يشعر أنه يظلم نفسه بل يشعر أن الظلم يأتي من الآخرين. والقرآن ينفرد في تسمية الذي يقع في الخطيئة بأنه ظالم لنفسه، وحتى المستضعفين يسميهم ظالمي أنفسهم: ( إن الذين توفهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ( النساء / 97).

إن سنن الله في التغلب على حالة الاستضعاف كثيرة، ولكن الجهل يضيق الواسع والأرض تضيق على رحبها، فضيق النفس يضيق كل شيء. والهوى يُضِّل عن سبيل الله وسنة الله:

ومن المفيد تأمل كيف بدأ خلق القانون بين الناس، وتأمل الحاجة الملحة التي جعلتهم يشعرون بضرورة القانون الذي ينظم أمور الحياة ويلجم الأهواء. والله يأمرنا أن نسير في الأرض وننظر كيف بدأ الخلق. ومن أشد ما أشعر أن الناس في حاجة إليه أن يعرفوا كيف بدأ خلق القانون والنظام، وهذا ما يسميه الدين: كيف بدأ الحرام، وبكلمة علم النفس ( التابو) فإذا عرفنا ذلك نبدأ بمعرفة متى بدأ الإنسان يشعر بضرورة لجم هواه إلى توجيه غرائزه ؛ فكل الحضارات في العالم إنما كان همها توجيه غرائز الإنسان وضبط أهوائه ليتسامى، فأكدت على وضع الأهواء الداخلية تحت المجهر، لتوجيهها وإيقاف دورها المعطل للتسامي. وإذا رأينا أن العلم تسخر للهوى بسبب سيطرة الجهل، فإن ذلك مرحلة زائلة لأن العاقبة للعلم.

ومن الكلمات التي تدل على الهوى اللاشعور والانفعال - حباً أو بغضاً - والذاتية والنرجسية والغرائز والنفس الأمارة والأنانية. ولقد اهتم الصوفية وعلماء النفس بتتبع مداخل الهوى في النفس. ويسمي « راسل » الهوى: رغبات وأمالاً يقول: ( إن الناس ليشق عليهم في كل الميادين أن يقيموا آراءهم على البراهين لا على الآمال، فإذا اتهم جيرانهم بمجافاة الفضيلة صدقوا التهمة وكاد يستحيل الانتظار حتى تثبت. وإذا تأمل أحدهم نفسه اقتنع بأنه مهذب.. وقد يكون الأساس الموضوعي لكل هذه المعتقدات بالغ الضآلة ولكن رغباتنا تجرفنا إلى التصديق جرفاً لا يقاوم، أما الطريقة العلمية فتلقي برغباتنا جانباً، فالذي تذاكر الرهان علمي( 1) ويجمع ثروة، بينما المراهن غير علمي ونصيبه الفقر)( 2).

وفي تراثنا الأدبي والصوفي لفتات أخاذة في إبراز عمل الهوى في النفس، ولقد قال الرسول r: « حبك الشيء يعمي ويصم »( 1). فالهوى يعمي ويصم ولا يرى الشيء كما هو ولا يسمعه على ما هو عليه، وإنما يجري عليه التحويرات اللازمة. لقد عرض التوحيدي شيئاً من هذا فقال:

( إن صديقه مسكويه قال له يوماً: أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه فلاناً ألف دينار ضربة واحدة! لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق فقال له أبو حيان، بعدما طال الحديث، وبالغ في إظهار أسفه: أيها الشيخ، أسألك عن شيء واحد واصدُقْ فإنه لا مذبَّ للكذب بيني وبينك، ولا هبوب لريح التمويه علينا. لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وأضعافه وأضعاف أضعافه، أكنت تتخيله في نفسك مخطئاً ومبذراً ومفسداً، أو جاهلاً بحق المال؟ أو كنت تقول: ما احسن ما فعل، وليته أربى عليه، فإن كان ما تسمع على حقيقته، فاعلم أن الذي بدد مالك، وردد مقالك إنما هو الحسد وشيء آخر من جنسه، فأنت تدعي الحكمة وتتكلم في الأخلاق، وتزيف منها الزائف، وتختار منها المختار، فالظن لأمرك واطلع على سرك وشرك)( 2).

وقال أبو حيان على لسان أستاذه أبي سليمان:

( إن كثير من أخلاق الإنسان تخفى عليه وتطوى عنه وذلك جلي لصاحبه وجاره وعشيرته، وهو يدرك أخفى من ذلك على صاحبه وجليسه، وكأنه في عرض هذه الأحوال عالم جاهل، متيقظ غافل.. وحليم طائش، يرضى عن نفسه في شيء هو المغتاظ على غيره من أجله)( 1).

وقد أشار الجاحظ إلى ضرب من هذا في كتابه ( البيان والتبيين) وكيف يستعين الإنسان بالحركة والإشارة للبيان فقال:

( وكان أبو شمر إذا نازع لم يحرك يديه ولا منكبيه ولم يقلب عينيه ولم يحرك رأسه حتى كأن كلامه يخرج من صدع صخرة، وكان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك بالعجز عن بلوغ إرادته، وكان يقول: ليس من المنطق أن نستعين عليه بغيره، حتى كلَّمهُ إبراهيم النظام عند أيوب بن جعفر فاضطره بالحجة وبالزيادة في المسألة حتى حرك يديه، وحل حبوته. وحبا إليه حتى أخذ بيديه. ففي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم.

وكان الذي غر أبا شمر وموَّه له هذا الرأي أن أصحابه كانوا يستمعون منه ويسلمون له ويميلون إليه، ويقبلون كل ما يورده عليهم، ويثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم، وترك مجاذبتهم إياه، وخفت مؤونة الكلام عليه، نسي حالة منازعة الأكفاء ومجاذبة الخصوم)( 1).

ومما يساعد على إلقاء ضوء على الهدى أن أصل الهوى مصنوع حضاري. والشهوات وإن كانت الحضارة توجهها فإنها غرائزية اكثر. فالشهوات جسدية، والأهواء نفسية، وإذا قلنا إن الهوى مصنوع حضاري فذلك لأن الإنسان اعتاد أن يسخر طاقاته لموضوع اجتماعي معين يصعب عليه أن يوسع دائرته، دائرة الأسرة ثم العشيرة ثم القوم ثم الإنسانية. فحين كان عدد البشر قليلاً على الأرض ووسائل اتصالهم بطيئة، كانت الأسرة تستحوذ على طاقة الإنسان، وحين كثر عدد التجمعات في مناطق معينة اقتضى توجيه طاقة الإنسان وتوزيعها على دائرة أوسع وهذا يتطلب علماً، فإن الشعور بالموعظة والطقوس والأغذية والمدح والهجاء … إن وضع طاقات الإنسان التي ظلت محصورة مدة طويلة في العشيرة لتوظف في مجال أوسع لا يمكن أن يتم بموعظة تقليدية أو خطاب سياسي يحشر له الناس أو ضحى.. بل لا بد من وضوح كيف بدأ الخلق أن نعرف كيف نزيد أو نوسع في الخلق.

إن صياغة الإنسان وفق قيم يشهد التاريخ على سلامتها موضوع كان يجري تلقائياً، ولما يبدأ العلم يتدخل لتجلية سنن هذه العملية.

وقد بذل البشر جهوداً كبيرة في سبيل تهذيب أنفسهم للخروج من التوحش والدناءة والبذاءة، ولكن ثمار هذه الجهود كانت قليلة بسبب قلة العلم، وغموض المعرفة.

وما حققه الإنسان من نجاح تلقائي في هذه الميادين، إنما كان بجهودٍ لم ينورها ضوء العلم ولم يكشف الإنسان سننها وقوانينها.

وهذا الغموض يضعف الأمل في نجاح الجهود المبذولة لرفع مستوى الناس، ولا يمكن أن تشحذ همة المتفائلين إلا بمعرفة القواعد والأصول التي يتم على أساسها تسخير طاقات الإنسان للتحول من حالة التوحش إلى تزكية النفس، والارتفاع إلى المرتبة التي أرادها الله لهم، وهؤلاء المتفائلون هم الذين يدركون مغزى الحوار بين رب العزة والملائكة حين قالوا: ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون) ( البقرة / 30) فترتفع نفوسهم إلى الآفاق التي ارتفعت إليها نفس يوسف - عليه السلام - حين قال: ( معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) ( يوسف / 23).

حقاً، إن هذا الثوب الأخلاقي الحضاري المهلهل الذي لا يكاد يستر الناس يُرمى بعيداً عند الأزمات، ويتحول الناس إلى نهابين وسفاكين.. أما نسمع ونرى مع الأخبار العالمية من بروز النهابين حين حدوث الأزمات من الزلازل، وعند غياب السلطة يتحول الأفراد إلى ذئاب، حقاً إنها لحواجز هشة، هذه الحواجز التي نَبِيْتُ وراءها شاعرين بالأمن ونحن لا نعلم مقدار ضآلة الضوابط التي تظهر النفوس وكأنها مهذبة أو متحضرة أو أن الأهواء لا تحكمها..

وأحكام القرآن: ( وقليل من عبادي الشكور) ( سبأ / 13)، ( فقليلاً ما يؤمنون) ( البقرة / 88)، وسواها إنما هي وصف وقائع لا نزال نعيشها بكل واقعيتها، ولكن من الخطأ أن نصل من هذه الواقعية إلى الحكم بضرورة استمرار هذا الواقع، لأن عالماً آخر يمكن أن يبنيه العلم حين نرى آيات الله في الآفاق والأنفس. إن السيطرة على زمام النفوس بالإمساك بسنن الله هي التي تمكن الإنسان من أن يعيش مع سنن الله ( الإنسان المتقي) فهذا الذي يمكنه أن ينهى النفس عن الهوى حين يقع الآخر صريعاً لهواه ؛ إنه الإنسان الذي إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غير فجه.. ولا يزال البشر بعيدين عن هذه السيطرة سواء منهم المتحضرون مادياً المتخلفون نفسياً أو المتخلفون مادياً ونفسياً.

قد نجد من يعز عليه أن نُشعر القارئ بأن في الإمكان الأمل في تضييق الخناق على الفساد في الأرض وتوسيع دائرة العلم في الناس وطرد الشيطان من طرقاتهم، وقد وُجد من عزَّ عليه أن تخفف آلام البشر في تحسين علاج أمراضهم بتقديم علم الوقاية والعلاج للأمراض الجسدية …

فالأمراض الأخلاقية أو النفسية أو الحضارية أو كما يسميها القرآن الأمراض القلبية هي التي كان علاجها موضع اهتمام القرآن، وإعطائها الأولوية في الشفاء. فالصدارة في القرآن لعلاج مرضى القلوب بالمعنى الديني الأخلاقي الحضاري النفسي وليس بالمعنى الجسدي. وإن القرآن يلح على خطورة المعاصي التي يرتكبها القلب كالكذب والنفاق.. أكثر من الإلحاح على المعاصي التي ترتكبها الجوارح.

إن التظاهر بقبول القيم والخروج عليها ينبوع الرياء والكذب، فالأهواء تدخل إلى زوايا قلوب الناس فتريهم مخالفاتهم ضئيلة، ولكن الذين يرونهم في الخارج يرون هذه المخالفات تحت المجهر. والحضارة تهتز من قواعدها، والقيم تنتكس على رؤوسها حين تتحكم الأهواء ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ( ص / 26).

وتصبح الحضارة في أزمة حين تتدحرج القيم التي لا قيام لها في نفوس أصحاب الأهواء وخاصة الذين يتمتعون بمغانم الحضارة دون أن يدفعوا ضريبة التزامها، اتباعاً للهوى وتسويلاً للنفس، كدأب الذين خلوا من قبل. وكما يبين توينبي: إن الحضارة في صعود حين تكون الأقلية التي تقود هي الأقلية المبدعة، ولكن حين تفتقد الإبداع وتحل السيطرة محله تبدأ الحضارة بالتحلل، لأن بروليتاريا هذه الحضارة تكف عن إعطاء ولائها، فهنا يحق القول ( إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد) ( ص / 26).

وحين يصف فرويد الحضارة يصف الواقع الذي أشرنا إليه - وهو وقت أفول الحضارة أو انحدارها كما يسميه شبنجلر - يقول فرويد: ( إن الحضارة تدوس برجليها فكرة العدالة الأولية فيما يتعلق بتوزيع الثروات، وحين تعجز الحضارة عن إرضاء قسم من المساهمين فيها إلا باضطهاد آخرين - وربما الأغلبية شأن الحضارات الراهنة - إننا لا يمكن أن نتوقع دخول القيمة الثقافية إلى نفوس هؤلاء المضطهدين، إنهم متهيئون لرفض الاعتراف بها وإلى هدمها وإنكار قواعدها … إنهم يعادونها، إنها لا أمل في استمرارها، بل إنها لا تستحق هذا الاستمرار..)( 1).

هذه الوقائع التاريخية حالة تدعو - عند النظرة العجلى - إلى اليأس، ولكن النظر إلى هذا الموضوع من خلال: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( الرعد / 11)، يجعل الموضوع داخلاً في صميم العلم. وليست القضية قضية تفاؤل أو يأس … وإنما تبصر وجهود موجهة لتوجيه الدفة إلى النجاة.

إن محتوى قوله تعالى: ( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( الأنفال / 53) حين يُنظر إليه على أساس التبرك بكلام الله تعالى يختلف عن النظر إليه في ضوء آيات الآفاق والأنفس وفي ضوء: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق …

إن التأمل في التاريخ لمعرفة ما حدث وكيف حدث يفتح للمتأمل آفاقاً لكشف السنة ومعرفة قواعد التسخير، فيتحول الإنسان إلى أحسن تقويم ويمشي سوياً على صراط مستقيم، ولكن العجلى لأحداث التاريخ ترى عدم التوازن بين الآلام والمكاسب، كما ترى أن الآلام التي عانتها البشرية أكثر من المكاسب التي حصلت عليها، إلا أن هذه النظرة العجلى تجهل أن طريق السمو والكمال يتطلب الكدح والعناء ودفع الضرائب من الدموع والدماء.

إن البشرية عانت من الأوبئة التي كانت تجتاحها، وحين ألقى العلم أضواءه على الغموض الذي كان يحيط بأسباب الآلام من الجهل بطبيعة هذه الأسباب، انقشعت الظلمة، وتغير موقف الإنسان، وإن كأن الإنسان لا يزال يكدح للتغلب على الآلام في هذا الموضوع إلا أن موقفه تغير، فهو يسعى على بصيرة وعلى طريق مستقيم لحل مشكلات الأمراض الجسدية في العالم.. وحين تتوجه هذه الأضواء العلمية إلى آلام ومشكلات الأمراض النهضة الحضارية الناتجة عن الأهواء، يصبح الإنسان عند ذلك كما وصفه رسول الله r: « كأنما نشط من عقال » أي كان مقيداً بالحبل ففك قيده، وهذا تشبيه للحالة النفسية بالجسدية، إلا أن الشفاء من الحالة النفسية حين يصيب الدواءُ الداءَ أيسر من علاج المرض العضوي الجسدي، فكل واحد منا يشعر حين تحل مشكلاته كأن ثقلاً كان على كاهله ثم حُطَّ عنه … والعلم هو الذي سيكشف هذه الحقائق ويجليها.