|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
جانبان
|
|
|
إن الأشخاص هم الذين يقدمون العلم فكيف نعتبر
عالم الأشخاص عقبة أمام العلم؟ إن الأمر يكاد يكون متناقضاً، فلابد من رؤية
الجانبين بدقة لنعطي كل جانب حقه. إن إعطاء عالم الأشخاص حقه أمر جوهري جداً، ولكن
الخطر أن نعطيهم كثر من حقهم. إن العالم جدير بالاحترام والتقدير، ولكن لابد أن
يقف هذا الاحترام والتقدير عند حدٍ ولا يتجاوزه. فالذين يقلدون عالم الأشخاص
وينزهونهم ربما لا يدركون الجانب الإيجابي الذي على أساسه ينالون التقديس. إني أعتبر الإنسان صفراً بدون الخبرات البشرية
السابقة، وربما هذا غلو في التعبير ولكنها الحقيقة إلا مع قليل جداً من الملاحظة
… ولأقرب هذا الأمر أنقل هذه الكلمات التالية من كتاب ( الإنسان والحضارة
والمجتمع): ( إن مجموعة من بيوض النمل تحضن بشكل صحيح مع
غياب نمل يافع عنها، ستنتج حشداً من النمل الذي بعدما يكبر سيمثل من جديد، وبكل
التفاصيل، كل سلوك الأجيال التي لا تحصى من النوع الذي سبقه … فهل سيحدث الشيء
نفسه إذا انفصلت مجموعة من الأطفال عن رقابة اليافعين وعنايتهم وتدريبهم؟ إذا
افترضنا أنهم سوف يستطيعون البقاء - ولن يستطيعوه - فلا يجب أن نتوقع منهم أن
يظهروا أياً من ميزات السلوك الخاصة التي كانت تميز آباءهم من قبلهم، إنهم
سيكونون بلا لغة، وبلا أدوات، وبلا نار وبلا فنون، وبلا دين..). إن الوراثة الاجتماعية التربوية التي تتمثل في
نقل الخبرات المتراكمة عند الإنسان هي غير الوراثة الغريزية عند الحيوان، وهذا
الاختلاف هو الذي يجعل الإنسان إنساناً. إن أي متخصص في علم ما، يحصل في سنوات معدودة
خبرات تعبت فيها الأجيال آلاف السنين، وقد يضيف بعض المتخصصين أشياء جديدة إلى
هذا الجهد المتراكم، ومهما كانت الإضافة ضئيلة بالنسبة إلى ذلك الهيكل الضخم،
فإن نمو الخبرات يتم بهذه الطريقة. وهذا ما يميز المجتمع البشري عن مجتمعات
النمل والنحل … وإننا لو لم نعتمد على خبرات الأجيال السابقة وأردنا أن نكشف
بأنفسنا كل تلك الخبرات لاحتجنا إلى عمر البشرية بل أكثر لأن هذه الخبرات خبرات
عقول كثيرة. إذ لابد من قبول هذه الخبرات ؛ ولكن قبولها ليس على أساس عالم
الأشخاص وإنما على أساس عالم السنن … والخلاصة أن عالم الأشخاص له دور إيجابي وآخر
سلبي ؛ وهو إيجابي حين ينظر إلى الأشخاص على أنهم درجة في سلم المعرفة الطويل،
وسلبي حين ينظر إليهم على أنهم نهاية السلم وأنه قد توقف عندهم عطاء الله لخلقه
… وفي أيامنا هذه يدور حديث طويل حول التراث
والتجديد والأصالة والمعاصرة من قبل مفكرين يشعرون بضرورة الاهتداء إلى الموقف
السليم، ولعل ما قلناه يلقي على الموضوع شيئاً من النور وإن كان خافتاً. |
|
|