|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
العلم
|
|
|
حين يصبح الدين علماً مثلما صارت الكيمياء
علماً، فإن الناس سوف يكفون عن التنازع، لأن العلم يقطع الجدل، وسيكون الأمر كما
قال الله تعالى: ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (
سورة الرعد / 17). وكما بسط العلم سلطانه على الفلك، والكيمياء،
والطب، فسيبسط سلطانه أيضاً على الدين، ويكون ذلك في صالح الدين الحق، وستنتهي نظريات
الناس الفاسدة عن الدين، كما انتهت نظريات البشر قديماً عن الفلك والكيمياء،
وستبقى حقائق الدين كما بقيت حقائق الفلك والكيمياء وسننها الثابتة، وصدق الله:
( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز
الحميد) ( سبأ / 6). والعلم لا جنسية له، فكل شيء إذا صار علماً
فقد أخذ طريقه إلى العالمية. إن الإنسان لا يرفض استعمال الدواء الذي كشفه عدو،
ولا يحمل الحقد والكراهية للدواء الذي صار علماً، وكذلك ستصير القيم التي تدخل
بوتقة العلم قيماً عالمية، وإن أصحاب القيم الذين يخافون من أن يثبت العلم فساد
قيمهم هم ( معتمدون حسب تعبير الغزالي)، ويمكن أن نقول عنهم: ( إيديولوجيون حسب
المصطلح العصري). إن الآبائية تبرز بأسماء جديدة تشوش على الناس
المفاهيم، فالصراع الأيديولوجي والاعتقادي، والمنازعات الدينية المبنية على
الآبائية وعلى عالم الأشخاص، كلها تقع خارج العلم. وإن كثيراً من المؤسسات
الاجتماعية على مر التاريخ، تتحول إلى عقائدية وأيدويولوجية ( آبائية) ؛ أي عالم
أشخاص يحل محل عالم الأفكار والقوانين. فالديمقراطية ومؤسساتها في الغرب،
كالبرلمانات، فقدت روحها، فهي كما يقول ويلز: ( تأتي الديمقراطية إلى السلطة
برجال لا يتميزون عن أي غازٍ يتسلط على البلاد أو وريث للحكم)، ومع ذلك فلها
قدسية الأيديولوجية. إن العلم طريق التوحيد للعالم، كما هو طريق
توحيد الله، بينما طريق عالم الأشخاص، طريق للشرك ولتمزيق العالم وتفتيت
المجتمعات أيضاً ؛ فالنزاعات والعصبيات التي تمزق المجتمعات دليل على بعد
الحقيقة العلمية عن تلك المجتمعات، وحلول الأوهام والخرافات والآباء والأشخاص
والسلف والأحزاب والبرلمانات وسواها محل الحقيقة العلمية. ومن هنا أخذ العلم
وظيفة الإعجاز، وظيفة توحيد الناس وتوحيد الله ومحو الأوهام. الأساس الثاني - العقل ليس آلة وإنما وظيفة: يروى أن أحد أباطرة الصين لما ولي الحكم
استشار فيلسوف زمانه فيما يجب أن يعمل فقال له الفيلسوف: ( أول عمل ينبغي أن
تقوم به هو تصحيح الأسماء). أي تحديد محتوى الأسماء حتى لا تخلو من معانيها ولا
تفقد الكلمات سلطانها - أي مضامينها السننية - ولا تتحول الحياة إلى وثنية ( إن
هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان) ( سورة النجم
23). وكلمة العقل من هذه الكلمات أو الأسماء التي
تحتاج إلى تصحيح وتحديد لأنها تستخدم كثيراً في بحوث الفكر والعلم، ولأن للاتجاه
العقلاني مكانه في العالم المعاصر. إن العقل وظيفة وليس آلة أو أداة، إذ لم ترد
اللفظة في القرآن الكريم إلا للدلالة على عمل وفعل، فلم ينعت الكافرين بأنهم لا
عقل لهم، بل قال: ( لا يعقلون)، ( وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل) ( الملك - 10). إن العقل كالكتابة والقراءة أو كأية وظيفة أخرى
يكتسبها الإنسان بالمهارة والتعلم. وحين نقول: ( الكتابة)، لا يخطر في بالنا
أنها آلة في الإنسان، بل ينصرف الفكر تماماً إلى أنها وظيفة قد يحصلها الإنسان
أو لا يحصلها، فلا نقول عن زيد من الناس: ليست عنده كتابة. بل نقول: إنه لا
يكتب، وكذلك العقل لم يرد في القرآن الكريم إلا على انه وظيفة وفعل، وإنما يطلق
القرآن لفظ القلب، أو الفؤاد، أو اللب أو النهى على الأداة أو الآلة، التي تقوم
بوظيفة العقل أو الربط، وإيجاد العلاقة بين الأسباب والنتائج. وإذا فقد الإنسان
وظيفة ربط الأسباب بالنتائج فقدَ الوظيفة الأساسية للإنسان. ( يقول ابن تيمية " فإن العقل في لغة
المسلمين عرض من الأعراض قائم بغيره وهو غريزة أو علم أو عمل بالعلم. ليس العقل
في لغتهم جوهراً قائماً بنفسه.. أما المتفلسفة ففي اصطلاحهم أنه جوهر قائم بنفسه
وليس هذا المعنى هو معنى العقل في لغة المسلمين …). ( الجزء الثامن عشر من
الفتاوى ص 338). وفهم العقل على أنه وظيفة مثل الكتابة
والسباحة وسائر المهارات الأخرى، يؤدي بنا إلى أن نرتب نظاماً لاكتساب هذه
الوظيفة بأقل الجهود والأزمنة وعلى أحسن الدرجات. فكما أننا في تطويرنا لأساليب تعليم اللغات -
وهي لون من اكتساب المهارة - ننظر إلى ما تقدمه من جهد ومال ووقت، ومدى تناسبها
مع ما تحصل عليه من نتائج، كذلك يجب أن نفعل في أسلوب تطويرنا لاكتساب العقل
والعلم. وعن مما يؤسف له أن مناهجنا اليوم تقدم نتفاً من مسائل العلم لا يكتسب
المتعلم بها روح العلم.. ومن خلال هذه المناهج يقدم الدين على أنه معارض للعلم. وقد تذوق بعض علماء المسلمين كنه العلم وأدرك
أن حقيقته ليست مجرد مسائل كثيرة تُحفظ، فالإمام مالك - رضي الله عنه - في قوله:
( ليس العلم كثرة حفظ المسائل، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب المرء). يستشرف
آفاق العلم وإن لم يكن يفصل في منهج دقيق طُرق تحصيل هذا النور الذي ظهر له.
والذين يدرسون الإبداع وعوامله، يسعون إلى جعله علماً مسخراً لصالح المجتمع، ومن
هنا نستشرف كيف يمكن أن نعطي الإنسان هذا النور الذي يصير به الإنسان عالماً
ومبدعاً، وهكذا يكون تحصيل وظيفة ( التعقل). الأساس الثالث - عدم وضع عالم الأشخاص محل
السنن: يذكر مالك بن نبي في كتابه ( مشكلة الأفكار في
العالم الإسلامي) أن الطفل يمر بثلاث مراحل، مرحلة الأشياء حين يكون الطفل في
حالة لا يميز فيها زجاجة الرضاعة من ثدي أمه فهو في عالم الأشياء والحاجات
العضوية، ثم يدخل الطفل عالم الأشخاص حين يبدأ يميز وجه أمه عن سائر الوجوه …
كما ذكر الأستاذ مالك كيف أن الطفل يشعر بالغربة أمام باب داره، والمعاناة التي
يلاقيها الطفل في الأيام الأولى من دخوله المدرسة. وإذا كانت الخلية تحمل في جيناتها كل قدرات
وميزات الأجيال الماضية في النواحي الوراثية العضوية، والاستعدادات في النواحي
الثقافية بشكل مختزل.. فإن الطفل كذلك يختزل تاريخ البشرية في المراحل التي مر
بها الإنسان من العوالم الثلاثة، عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار، كما
يمر الطفل في مراحله الجنينية بمراحل الخلق العضوي مختزلاً تاريخ الوجود وكيف
بدأ الخلق للدخول إلى فهم هذه العوالم … عن الطفل يشعر بنفسه أمام فيض من المحيط
المعقد أمامه، فهو يستعين بمحيطه وأسئلته الكثيرة التي لا تنقطع ليأخذ صورة
ومفهوماً عن هذا العالم وليزيد من إدراكه لمحيطه، وهذا يدل على أن عالم الطفل
عالم حافل فياض بالتكيف والتلقي والتعلم، وكل طفل يجدد هذه الظاهرة الفذة. إن
عالم الطفل عالم معروض للدراسة والتعرف على الإنسان وكيف يصير إنساناً؟ وكيف
يأخذ وينطبع الطفل وليكون مصنوع المجتمع وصنع أبويه، فأبواه يصنعانه، ثم هو
يشارك في صنع المجتمع بدوره قلّت أو كثرت هذه المشاركة … هذه الدراسة هي العلم المتعلق بالإنسان ومعرفة
السنن التي تصنع الإنسان، وشعور الطفل الملح لأخذ صورة ومفهوم عن العالم المحيط
به يجعله يستعين بالأشخاص الذين سبقوه وعايشوا هذه الحياة التي يستقبلها هو
فيكوِّن الأسلاف والآباء عالم الأشخاص الذين يستعين بهم في أخذ العلم، فيحل عالم
الأشخاص مكان السنن، ويحلُ تصورات الآباء الذهنية محل سنن الحقائق الخارجية،
وبهذا يُحل الرجال محل السنن سنة الله، وهذا نوع من الوثنية الدينية، فلابد من
تأمل هذا الموضوع. لهذا يكرر القرآن حجة المعارضين للأنبياء بأنهم وجدوا آباءهم
كذلك يفعلون، فالآباء صاروا حجة وبرهاناً … وبهذا انتقل البرهان من البحث في
الحقائق الخارجية إلى التصورات الذهنية للأشخاص … فالشخص الذي لم يتعلم التعامل
مع الحقائق الخارجية يتحول بسهولة إلى جعل الأشخاص مصدر الإلهام للتعرف على
الحقائق الخارجية … وبما أن الإنسان بحاجة إلى العلم، والعلم غير معروف أو غير
متوفر لديه فإنه يضع الأشخاص مكان العلم، والكتب مكان السنن، فيضع المحراث أمام
الثور كما في الأمثال … والقرآن الكريم يعتبر هذا شركاً في العقيدة،
ويعتبر الأشخاص في هذه العملية أنداداً لله حيث يصيرون مصدر الأحكام الشرعية،
وهذه الأحكام خاصة بالله لا يجوز للأشخاص أن يتدخلوا بأهوائهم، لأن أحكام الله
وسننه هي الحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، ووضع الأشخاص مكان سنة الله
وشرعه وشرك في التوحيد. إن هذا الفهم مهم وضروري لاستقامة الحياة
واستقامة الدين، فالانحراف عن العلم يقود إلى الوقوع في الشرك، بينما توحيد الله
يؤدي إلى توحيد السنة في كل ما يجري في الكون. إن وضع الأشخاص مكان الله ومكان
السنة إفساد للعلم وإفساد للتوحيد ولهذا فإن الناس في المجتمعات المتخلفة
والبعيدة عن الذوق العلمي يقعون في عبادة الأشخاص في مظاهرها السياسية ومظاهرها
الدينية. فعبادة الأشخاص وثنية علمية ووثنية دينية. وكل الإنكار الذي يصبه
القرآن على المشركين الدينين موجه إلى عبادة الأشخاص حتى لا يتخذ بعضنا بعضاً
أرباباً. إن التزلف والخضوع والاستبعاد الذي يمارسه المجتمع الفاقد للمعرفة،
يدعو إلى القرف والتقزز عند أهل العلم وأهل التوحيد. إن عالم الأوثان الذي نعيش
فيه لا نجد فيه الكرامة التي تزين أهل العلم، ولا التوحيد الذي ينزه الدين عن
الأوثان ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين
به) ( الحج / 30 - 31). إن العلم والعلماء حين يكون لهم مكان في
مجتمعنا وتمتد لهم جذور وقدم راسخة في تذوق العلم، فستبرز نماذج من العلم والحلم
والعزة والتواضع، نماذج من الغنى والزهد تنعش الأرواح وتشفي الجروح والقروح،
وتنقذنا من الأوحال والأقذار أوحال الجاهلية وأقذار الوثنية ليتألق نجم العلم
وتسطع شمس التوحيد، فنخرج من المسخ وتعود المعاني للكلمات، فتتحصن من التدليس
والتمويه، وبذلك نكون قد أنقذنا أنفسنا، وزكيناها، واكتسبنا صحة نفسية وفكرية
واستقامة لغوية، فيدب الانتعاش في سائر نواحي حياتنا، وتكون نظراتنا معبرة
وكلماتنا موحية، فحيثما يحل العلم يحل التوحيد وتزول الثنائية والازدواجية،
فيكون لنا وجه واحد لا وجهان ورب واحد يكرم بني آدم ويستقيمون إليه لا أرباب
وشركاء متشاكسون يزيدوننا طغياناً ورهقاً.. هذه بعض المشكلات التي تنجم من جعل عالم
الأشخاص مكان سنن العلم. فيا حبذا لو كشف لي الحجاب وتيسرت لي قراءة ما سيكتب في
هذا الموضوع حين يتعافى مجتمعنا من الجهل ومعابدنا من الأوثان. إن نفوسنا
القاحلة من نور العلم تعجز عن إضاءة أسباب مشكلاتنا التي أزمنت وتعفنت، وإن
كلماتنا تشكو قلة رصيدها من العلم، فتأبى أن تحمل معنى شريفاً. إن لغة العلم شفاء للنفوس المحطمة، للنفوس
الظمأى إلى العافية.. فشهادة العالم مقرونة بشهادة الله وملائكته، لأن شهادة
العاِلم شهادة لسنة الله ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم
قائماً بالقسط …) ( آل عمران - 18). ويقول الله للذين يسهرون في جوف الليل دارسين
مفكرين في ملكوت السموات والأرض وما بث فيهما … يقول لهؤلاء المتتبعين لمسيرة
كيف بدأ الخلق، للذين يقلبون أبصاره في آياته في الآفاق والأنفس - يقول لهم كما
ورد في الحديث القدسي - ( من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني
فأغفر له) ( متفق عليه). أيها الإنسان، هناك أهداف كريمة … هناك أشواق
وأذواق … هناك عدل وإحسان … هناك علم وتوحيد … ولدى ربنا مزيد. |
|
|