صورة ذهنية

جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم))

 

الكتاب

إن جميع المؤلفات ما هي إلا صورة لمؤلفيها، لأن الكتاب إنما يدور حول موضوع معين له وجود خارجي سواء كان عن الطبيعة أو الإنسان. ولذلك فإن المتعامل مع الحقائق الخارجية يصحح ويزيد من إدراكه لها. وعلى هذا الأساس يجب أن يتم النظر إلى الكتاب والتعامل معه ليزول ما يمكن أن يؤدي إليه من دعم الخطأ والاستمرار عليه. ومن أدرك هذا جيداً فإنه لا يتعامل مع الكتب على أساس القدسية لها، بل تصير الكتب إشارات وعلامات تدل على مقدار ما توصل إليه تصور إنسان يوماً، وبذلك تحمل الكتب المعنى الإيجابي ولا تقوم بدور التعطيل للبحث في الوجود الخارجي.

والإنسان بتوسعه في القراءة يكتسب موقفاً إيجابياً فيضع الكتاب في مكانه المناسب ويعترف بالجانب المقدس منه لأن الكتاب جعل الإنسانية كائناً واحداً خالداً، واختزل التاريخ، وقدم للبشر التجارب التي عانى منها الإنسان آلاف السنين في لحظات موجزة … فكأن الخلف - بهذا - يعيش مع السلف. فالذي يدرس جيداً تاريخ الفراعنة - مثلاً - ويتخصص فيه، ربما يدرك من أمر هذه الحضارة ما لم يدركه من عاصرها وعاش فيها. كما أن عمر الفرد صار بالكتاب طويلاً لا ينتهي بوفاته، بل ويمتد في الماضي إلى العمق السحيق، وصارت كل التجارب الماضية ملك يديه …

وحين ينظر إلى الكتاب على هذا الأساس، يخرج الإنسان من عالم الأشخاص إلى عالم الأفكار، أي من الصور الذهنية إلى الحقائق الخارجية.

إن ما يسمى مرحلة توقف الاجتهاد أو عصور التقليد في العالم الإسلامي هو الانتقال من عالم الأفكار إلى عالم الأشخاص، من عالم الحقائق الخارجية إلى الصور الذهنية، هو الانتقال من المعنى الإيجابي للكتاب إلى المعنى السلبي له.

إجراء التصحيح

وليؤدي الكتاب دوره، لابد أن تزول عنه الصور الذهنية الخاطئة، فالكلام الطويل الذي لا يمكن تحقيقه في الوقائع الخارجية تضييع للأوقات وإبعاد للأهداف، فلابد من القيام بعمليات اختزال واختصار وتبسيط.. وهي مهمة كبيرة على العالم جميعاً التنافس فيها لحماية الأجيال.. فمعرفة تاريخ علوم الكيمياء والفلك والكب وسواها … يُكتفى فيها بالإشارة إلى نماذج فقط، لنعرف كيف بدأ خلقها ونموها لنصل بها إلى درجة التسخير … بحيث يكون فهم الماضي سبباً لفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.

إن الجراثيم - مثلاً - كانت تفتك بأجسام البشر وهي في حصن مظلم لا تطاله أعين البشر ولا أيديهم لتؤثر عليها، ولكن بعد أن كشفت أسباب العدوى والتعقيم والتطعيم … توقفت الأوبئة عند حدِّها.

كذلك اليوم نرى الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالبشر فيسفك بعضهم دماء بعض … فحين نكشف أسباب هذا الدمار الذي يقوم به الناس ضد بعضهم ونكشف هذه الجراثيم أو المفاهيم التي تحمل الناس على أن يذيق بعضهم بأس بعض كما كانت الجراثيم تفتك بهم، فإننا نقي المجتمع من الدمار والهلاك. فعلم الثقافة وعلم السلوك البشري شبيه بعلم الجراثيم قبل كشف الوسائل التي أظهرت للعيان الجراثيم وأثرها.

فكما تمكن الإنسان من معرفة تاريخ الأوبئة والجراثيم، وكيف كانت تفتك في صحة البشر.. فيمكننا اليوم نقل هذه المعرفة التاريخية إلى معرفة أسباب سلوك البشر التي تفتك بالناس وتُغري بينهم العداوة والبغضاء. إن كشف أسباب أحقادنا وعداوتنا وجهلنا بوسائل التغيير، وجهلنا بالماضي وعدم استفادتنا وقدرتنا على القياس والاعتبار، إن كشف كل ذلك، يشير إلى بداية تذوقنا كنه العلم وشم نكهة الفهم والإحساس ببرد اليقين.. وهذا ما أشار إليه الإمام الغزالي بقوله: « لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض معتقده مجالاً في نفسه، والعالم لا يجد ذلك أصلاً وإن أصغى إلى الشبه المشككة.. وبعد هذا التقسيم يكاد يكون العلم مرتسماً في النفس بمعناه وحقيقته من غير تكلف تحديد ».

وهذه الحصانة التي عند العالم نتيجة لإجرائه التصحيح بتعامله مع الحقائق الخارجية، لا بمجرد وقوفه عند حرفية النص.

وهذا التذوق والإحساس لكُنه العلم هو الذي جعل جورج. أ. لندبرغ يقول عن العلم: ( إن مجرد توفر المعرفة العلمية وعادات التفكير العلمي.. يبعث في نفوسنا الراحة في عالم مليء بالمخاوف والانفعالات وغير ذلك من المشاعر التي تبدد الطاقة وتهدر الجهد، فالمعرفة العلمية تشكل ضرباً من الصحة العقلية)( 1). فما يقول عنه الغزالي: ( الشبه المشككة) هو ما يقول عنه لندبرغ: ( المخاوف والانفعالات).

وما يقول عنه الغزالي ( والعالم لا يجد ذلك أصلاً) هو ما يقول عنه لندبرغ: ( التفكير العلمي يبعث في نفوسنا الراحة وهو ضرب من الصحة العقلية).

إن عدم القدرة على الانتقال من معرفة ما حدث في تاريخ الصحة الجسدية من كشوف وحماية أرواح، إلى ما يمكن أن يحدث في تاريخ الصحة النفسية والعقلية والمعرفية من كشوف وحماية أرواح من النزاعات البشرية الجاهلية. إن عدم القدرة هذا العقبة التي تحول دون تعميم معنى العلم في العالم شماله وجنوبه وغربه وشرقه، فهم يرون أن هناك أموراً لا تخضع للعلم بل ولا يمكن أن تدخل في مجال العلم. وفرق كبير بين من يفهم أمراً - مثل الروح - ليس مجال العلم، وبين من يفهم أنه مجال للعلم، ولكن ما يزال العلم فيه قليلاً، والعلم قابل للزيادة، ( ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي ومنا أوتيتم من العلم إلا قليلاً) ( الإسراء / 85).

وقد عقد لندبرغ في كتابه ( هل ينقذنا العلم) فصلاً مهماً في هذا الموضوع وقال: ( إن المنهج العلمي في التفكير لم يحرز بعد تقدماً يذكر، إذ لا نكاد نجد أحداً يواجه المشكلات الاجتماعية اليوم بروح علمية مجردة، أما القول بأن هذه المشكلات قد تُحل إذا كان لها أن تحل بواسطة أجهزة دقيقة لا ينتابها الخوف أو الغضب أو حتى الحب، فهو أمر يبدو أنه لم يخطر ببال أحد حتى الكثيرين من الذين يعتبرون علماء غي العلوم الاجتماعية)( 1).

ومن أسباب جعل السلوك البشري خارج العلم وخارج السيطرة عليه وخارج التسخير وخارج السنن أمران:

أولاً: فهم العقيدة الدينية فهماً خاطئاً، وهو أن الله يفعل ما يشاء ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) ( الإنسان / 30). إن تاريخ النزاع طويل بين الذين يرون الجبرية في سلوك البشر وبين من يرون الإنسان مخيراً في سلوكه، بين من يرى الإنسان مجبراً رغم أنفه على ما قضاه الله وقدره ولا قدرة له على الخروج منه، وبين من يرى أن الله يغير ما به إن هو غبّر ما بنفسه. بل إن البعض يقول: إننا لا نعرف قضاء الله وقدره، إذاً لا دخل لنا في مصائر الناس وسلوكهم الذي يرجع إلى الإرادة الطليقة لله رب العالمين، إلى ما هنالك من أقوال تدل على الغموض والاشتباه وظلام الرؤية. إن مشيئة الله لا تسلب البشر قدرتهم على التغيير وضع مصائرهم، بل مشيئة الله: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( الرعد / 11)، وإن مصائرهم بيدهم( 1).. وليس هنا مكان تفصيل ذلك ولكن أردنا التنبيه إلى أن هذا لاعتقاد والنظر الذي يسلب الإنسان الاختيار والقدرة على تقرير المصير، يجعل الإنسان ومصيره غير خاضع للعلم والتسخير والتنبؤ.

ثانياً: والسبب الثاني الذي جعل السلوك البشري خارج نطاق العلم والتنبؤ والتسخير، يرجع إلى التاريخ المظلم والإلف الطويل الذي عاشه الناس، وهم لا يرون بصيصاً من الأمل في السيطرة على سلوك الإنسان وإدراك السنن فيه. وهنا - مرة أخرى - يفيدنا تاريخ العلوم الطبيعية في توضيح كيف عاش الناس طويلاً في الظلمات وألفوها، وهم لا علم عندهم ولا سيطرة ولا تنبؤ.. فهذا التاريخ الطويل في الظلام جعل الناس أيضاً ينكرون يوماً ما ولا يصدقون دخول العلم مجال الفلك والكيمياء والطب، ولكن تعلم الإنسان شيئاً فشيئاً حتى أصبح يرى هذه الأمور حقائق لا يناقش بصحتها. وهذا الشيء نفسه يطبق على علم السلوك البشري.. وسيأتي وقت يصبح فيه علم الاجتماع والعمران - أو السلوك البشري - علماً خاضعاً للسنن وقابلاً للتسخير ومجالاً في تخفيف الآصار والأغلال التي حملها الإنسان لأنه كان ظلوماً جهولاً. وهنا لابد من إعادة التنبيه إلى أن الجهل البسيط غير الجهل المركب، فقديماً كانوا يقولون: الجاهل الذي يعلم أنه جاهل هو جاهل بسيط، ولكن الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل فهو جاهل مركب.

وكذلك يمكن القول: إن جهل الموقف العلمي، وجهل المعرفة بتاريخ بدء الخلق، يجعل الإنسان في موقف الجاهل المركب، حيث يزعم أن العلم لن يزداد، وأن الإنسان لن يقدر أن يبسط سلطانه وتسخيره إلا على ما وصل إليه، وهذا الموقف يدل على عدم تذوق العلم أو إدراك تاريخه الطويل الذي قطع الإنسان فيه مراحل حين خرج من حياة الصيد إلى الرعي ثم الزراعة. إن تقسيم تاريخ البشر إلى عصور حجرية قديمة وحديثة وعصر البرونز والحديد.. كل ذلك يدل على، كيف بدأ خلق العلم، وخلق السيطرة والتسخير. ففي القرآن الكريم: ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض) ( الجاثية / 13)، وفي التوراة: ( أخضعوها وتسلطوا) ( سفر التكوين إصحاح أول فقرة 28).

إن معرفة تاريخ العلم ضرورية ( كيف بدأ الخلق) ليقف الإنسان الموقف العلمي حتى من الذي يجهله. ليس المشكل أن نجهل شيئاً ما، وغنما المشكل أن لا نقف من الجهل موقفاً علمياً بل موقف الجاهل جهلاً مركباً.

وقد تآزر الفهم الخاطئ للعقيدة الدينية والفهم الخاطئ للموقف العلمي ؛ في اعتبار علم الاجتماع والعمران خارجاً عن العلم وأنه غير قابل للدخول إلى مجال العلم.

إن الاهتمام الخاص الذي يوليه القرآن لعلم السلوك البشري يجعله في مركز الصدارة للعلم، فكما يلح القرآن على النظر إلى الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والأنهار والنبات والدواب، يلح أكثر على النظر إلى سلوك الأمم وسنن الذين خلوا من قبل والاعتبار والاستفادة من كشف الأسباب والنتائج في التاريخ لتجنب الخطأ والإمساك بالصواب.