|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
كيف
|
|
|
إن من يراقب الطفل كيف ينمو ليتمكن من القعود،
ثم الوقوف ثم المشي، يجد سنة الله في التدرج، ويجد أن الطفل الذي يمشي، يتعثر
أول الأمر ويسقط.. حتى تقوى عضلاته. إن وقوعه أمر متوقع، ولكن غير المتوقع أن
يظل يسقط دون أن يتحسن في نموه. إن عثرة الطفل السليم غير عثرة المشلول. وإذا
كان هذا الأمر واضحاً في مستوى الطفل ونموه. فإن الأمور تشتبه كثيراً في نمو
المجتمعات وتطورها.. وخاصة حين لا يبحث الإنسان في الأسباب التي تؤدي إلى تكرار
تعثره وسقوطه وعدم سيره سوياً على صراط مستقيم، وهذه أمور يدركها من يعلم مسارات
التاريخ، ويبصر بعمق وإدراك عثرات المسافرين. إن نعمة القراءة من أجلِّ النعم، ولكن يمكن أن
تتحول عند قوم معينين أو في عصر معين، إلى ما يشبه النقمة، فإن كان من شأن
القراءة أن تسارع في النمو، فقط تكون عند قوم وفي عصر مُعين، إبطاء للنمو لسوء
التعامل معها، كما يمكن أن يكون الربيع سبباً للهلاك بالتخمة عند مخلوق معين،
كما ورد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حذر المسلمين من أن تفتح
عليهم الدنيا فيتنافسوها كما تنافسها من قبلهم، فتهلكهم كما أهلكت من قبلهم.
سأله سائل يا رسول الله: وهل يأتي الخير بالشر؟ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أما إنه لا يأتي الخير بالشر، ولكن إنّ مما يُنبتُ الربيعُ ما يقتلُ
حَبَطاً أو يُلم » ( البخاري كتاب الجهاد). إن الربيع خير، ولكن يكون شراً لبعض
الحيوانات، وهكذا كل نعمة يمكن في ظروف معينة، أن تؤدي إلى نقمة أو عثرة. إن القراءة والكتابة، نعمة مستمرة دائمة
متواصلة، بها لا بغيرها تزو الحياة، وتنمو الكفاءات، والقدرات، ولكن قد تستخدم
هذه النعمة أحياناً، استخداماً سيئاً يؤدي للعطالة وخمود الحياة، مثل استخدام
المسلمين سرَّ ( كاف، ها، يا، عين، صاد). فبدل أن يستخدم ليكون وسيلة لمعرفة
التجارب البشرية، وكيف بدأ الله الخلق، صار سرّ ( كهيعص) تميمة لدعوة ملوك الجان
الأحمر والأزرق، لفك السحر، أو تركيبه. كما أن تقديسهم لـ ( ن والقلم) تحول إلى
جمع قصاصات الأوراق من الطرقات، بدل الاطلاع بسرّ ( نون والقلم) على تجارب
المجتمعات والحضارات، ومعرفة كيف بدأ الخلق لرؤية سنن الله التي لا تتغير ولا
تتبدل، ولرؤية قردة الإنسان على تقرير مصيره ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم) ( الرعد / 11)
والإمام الغزالي حين قال: ( من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك وكان كمن استدبر
الغرب وهو يطلبه)، كان يستشعر بوضوح وظيفة اللفظ ومكانة الرمز، ولم يكن من قصده
أن القراءة والألفاظ الدالة على المعاني لا تؤدي وظيفة ولكن كان يقصد أن من فقد
الصلة بالوجود الخارجي - بالآفاق والأنفس، أي بالموضوع الذي وُضع عليه الرمز -
فإن الرمز لا يفيده شيئاً، ويكون جديراً بأن يوصف بأنه ضاع وهلك، وكان كمن
استدبر المغرب وهو يطلبه. وأذكر بعض التجارب التي عايشتها حين كنت
طالباً ثم مجنداً، تتصل بهذا الموضوع. لقد كانت بعض أساتذتي المخلصين الطيبين
بعبارات كتب الفقه وشروح الحديث، صلة الوقوف عند الألفاظ، والتهيب الشديد لرؤية
القداسة في كلام الشراح، ثم رأيت وأنا مجند الموقف نفسه حين يختلف المدربون في
شرح وظيفة سلاح ما، فقد كانوا ينظرون إلى الكراس المترجم بنفس القداسة. إن هذين
الموقفين متشابهان إذ لم يكن التعامل الواقعي هو الذي يحدد ما ينبغي أن يقال في
الموضوع، وإنما كان تقديس الأشخاص، وآرائهم المكتوبة هي التي تحدد الموقف. إن تقديس الأشخاص وآرائهم المكتوبة، كان يحول
لا شعورياً، دون التعامل مع الوقائع الخارجية، للتحقق من صحة هذه الآراء. فالذين
يقدسون أرسطو - مثلاً - تجمدوا على رأيه في سقوط الأجسام، ولم يخطر لهم أن
يثبتوا من صحة أقواله، بينما كان جاليلو يميل إلى إمتاع نفسه، بتدبير مواقف
تُبدي زملاءه في مظهر الحمقى، إذ كان الأساتذة يقررون أن الذي زنته عشرة أرطال،
أسرع في السقوط من الذي زنته رطل واحد بعشر مرات، فأخذ جرمين مختلفي الوزن وقعد
على برج بيزا على طريق الأساتذة وعندهم مرورهم أسقطهما فوصلا معاً تقريباً. لقد ظل رأي أرسطو سائداً في سقوط الأجسام مدة
ألفي سنة دون أن يتحمل أحد مشقة التثبت من صحته. فكان التفكير في التثبت أمراً
جديداً أو تطاولاً وتكذيباً للثقات وعملاً مرذولاً، فحين كان جاليلو يمتحن قول
أرسطو في سقوط الأجسام الأثقل وزناً من نوع واحد بسرعة أكثر وحين قال جاليلو:
يسقط مسمار كبير وآخر صغير فيصلان معاً بسرعة واحدة، كان الأساتذة يسخرون منه
لأنه يحاول إظهار خطأ أرسطو ( يا للوقاحة والكبرياء)( 1). ومن هذا القبيل ما يذكره ولد يورانت في قصة
الحضارة( 2): ( في سنة 1541م. اشتراك
فيساليوس مع آخرين في نشر طبعة جديدة من النص اليوناني لجالينوس، وقد أدهشته
أخطاء ندَّت عن جالينوس وكانت خليقة بأن يدحضها أبسط تشريح لجسم الإنسان، كقوله
مثلاً: « إن الفك السفلي قسمان.. » وهذا يدل على أن جالينوس لم يشرح قط آدميين
بل حيوانات، وشعر أنه قد حان الوقت لمراجعة علم تشريح الإنسان بتشريح الآدميين. وقال دوبوا: « إن جالينوس لم يخطئ، ولكن جسم
الإنسان عراه تغيير من عهد جالينوس.. » ثم قال ول ديورانت بعد ذلك: « لم يكن
لشهادة الحواس كبير وزن أمام كلمة جالينوس وابن سينا، لا بل إن فيساليوس نفسه
قال عندما ناقض تشريحه رأي جالينوس: « لم أكد أصدق عيني »، وكانت طبعات وترجمات
جالينوس تثبط القيام بالتجارب الجديدة). والخلاصة، أن القراءة والكتابة نعمة، وهي
الطريق الأساسية للنمو والتقدم للإنسانية، ولكنها تؤدي إلى الجمود والركود، وتقف
عائقاً في سبيل التقدم، حين تستخدم استخداماً سيئاً. |
|
|