|
طلب المعاني من الألفاظ ضاع
وهلك جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
من
|
|
|
حول قول الإمام الغزالي: (
من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك وكان كمن استدبر الغرب وهو يطلبه) هذا معنى شريف يحسن أن نبحثه مرة أخرى
بأسلوبنا - حسب طاقتنا - وذلك لأن نشرح المرتبة الأولى من مراتب الوجود الذي سماه
الغزالي: ( حقيقة في نفسه)، أو الوجود الخارجي أو العيني حسب تعبير شيخ الإسلام
ابن تيمية. فالرعد - مثلاً - له وجود خارجي يظهر في
الجلجلة التي نسمعها بعد وميض البرق في السحاب. فهذا الوجود الخارجي هو حقيقة
الرعد. ومثله الشمس والقمر والنجوم والماء والنبات والحيوان، وعادات المجتمعات..
فهذه كلها لها حقائق خارجية موجودة بشكل مستقل عن الصورة الذهنية التي تحصل
للإنسان عند أول اتصاله بها. فالإنسان الأول سمع الرعد، ورأى البرق كما
نسمع ونرى، ولكن الصورة الذهنية التي تحصل للإنسان من هذا الاتصال لا يمكن أن
تكون واحدة عند الجميع، إلا إذا جردنا الإنسان من تفسير الأحداث واعتبرناه آلة
تصوير، أو آلة تسجيل فقط. لو سألنا التاريخ: كيف فسر الإنسان وفهم حقيقة
الرعد والبرق وأسباب حدوثهما؟ فإننا نجد التفسيرات مختلفة جداً، ولا يزال الناس
يسعون للوصول إلى إدراك أقرب لحقيقة كل من الرعد والبرق، وما ينتج عنهما، وما
يؤديان من وظيفة.. إذاً قول الغزالي: ( إن الوجودين الأولين -
الوجود الخارجي والوجود الذهني - لا يختلفان في الأعصار والأمم)، قول صحيح إذا
كان الإنسان مجرد آلة تسجيل أو تصوير والإنسان ليس كذلك. إن كل الناس شاهدوا الشمس تشرق كل صباح، ولكن
فهم حقيقة وكيفية شروقها كان من الاختلاف والتباين إلى درجة تباين النقيض
للنقيض. وهذا مثل مهم عن إمكان حدوث الخطأ في تفسير الصور الذهنية التي تحصل
للإنسان من الحقائق الخارجية. وإن تقدم البشرية في إدراك حقائق الأشياء، وكيفية
حدوثها وبدء خلقها، لا يزال بطيئاً برغم ما يبذله الإنسان من جهد لإدراك ذلك. إن ما يحصل عند الناس من صور ذهنية عن البرق
والرعد، والشمس، والنبات والحيوان، متفاوت تفاوتاً كبيراً عريضاً وطويلاً
وعميقاً، فلهذا نختار أن نقول: إن الوجود الخارجي لكل من الفيزياء والمجتمع له
حقيقة واقعة، أما تصور الناس لها فهو الذي يتفاوت الناس فيه، فكل يرى حسب خلفيته
الفكرية. وهذا ما يميز الناس عن آلة التصوير والتسجيل، ويجعلهم يختلفون في فهم
الأمور على مر العصور. هذه هي العلاقة بين الوجود الخارجي والصور الذهنية،
فالوجود الخارجي هو الثابت الذي كلما اختلفنا في تفسيره رجعنا إليه، ودققنا
النظر والبحث والتعامل معه، لنصحح الصور الذهنية. وهذا ما أردنا إثباته هنا في
حديثنا عن كلام الغزالي في هذا الموضوع. فالوجود الخارجي: هو الحقيقة الثابتة التي
نرجع إليها عند الاختلاف، والصور الذهنية قابلة للزيادة والنقصان. فعلم الفلك، والطب،
والكيمياء وسواها. حقائق خارجية ثابتة السنن، ولكن الصور الذهنية عنها تتفاوت
تفاوتاً كبيراً على مر الزمن. وكم يكون مفيداً إدراك هذا جيداً ليمكن الانتقال
إلى موضوعات أخرى وعلوم أخر، كي لا تتكرر النزاعات المريرة، حيث كان الناس
يفقدون أسلوب البحث والتحقيق، ولا نزال نقع في مثل هذا إلى الآن في مجالات أخرى
من العلوم لأننا نفقد الاعتبار ولا نعقل الأمثال. ( وتلك الأمثال نضربها للناس
وما يعقلها إلا العالمون) ( سورة العنكبوت آية 43)، ( فاعتبروا يا أولي الأبصار)
( سورة الحشر آية 2). إذاً هناك فرق بين الصور الذهنية والحقائق الخارجية،
والمرجع عند النزاع هو الحقائق الخارجية وليس الصور الذهنية. |
|
|