|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
القراءة
|
|
|
يتحدث الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (
الخطاب العربي المعاصر دراسة تحليلية نقدية) عن موقف الإنسان العربي المعاصر
إزاء مشكلة النهضة أو التنمية أو تجاوز التخلف، حيث عرض فيه بشكل مبسط واضح للمشكلة
ووصل في نهاية البحث إلى خلاصة هامة يقول: ( السلفي والليبرالي وجميع الأسماء
الأيديولوجية العربية الأخرى لا نستطيع نحن العرب جميعاً، أن نفهم، ولا أن نعي،
ولا أن نمارس الأصالة والمعصرة. لا نستطيع أن نجدد فكرنا، ولا أن نشيد حلماً
للنهضة مطابقاً ما دمنا محكومين بسلطة النموذج - السلف - سواء كان التراث أو
الفكر المعاصر أو شيئاً منهما. نعم ؛ الإنسان بطبيعته يفكر من خلال نموذج،
ولكن فرق بين نموذج يؤخذ كرفيق للاستئناس به، وبين نموذجٍ يؤخذ كأصيل يقاس عليه،
النموذج حينما يتخذ أصلاً سلفاً، يصبح سلطة مرجعية ضاغطة قاهرة تحتوي الذات
احتواء وتفقدها شخصيتها واستقلالها … إذن مما يجب البدء به هو معرفة الذات
أولاً، هو فك أسارها من قبضة النموذج - السلف - حتى تستطيع التعامل مع كل
النماذج تعاملاً نقدياً، وذلك طريقة الأصالة والمعاصرة معاً) ( ص 56 - 57). ما يسميه الدكتور الجابري هنا النموذج والسلف،
هو ما نطلق عليه في هذه الدراسة عالم الأشخاص مقابل عالم الأفكار، أو ما نعبر
عنه أيضاً بالتعامل مع الوجود الخارجي بدل التعامل مع الصور الذهنية، أو ما يمكن
أن يعبر عنه بالاجتهاد مقابل التقليد … وكما يمكن أن نقول: إن ما يطلق عليه
القرآن حين يُنطق الواقعين تحت أسار السلف. النموذج - بقولهم ( وإذا قيل لهم:
اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) ( البقرة / 170)، (
بل قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) ( الزخرف / 22).
ونحن إن أرجعنا المعنى الحقيقي لنقد أو إدانة الذين يتبعون الآباء بغير علم،
نكون قد أحيينا منهج القرآن ومنهج العلم في كل عصر وأوان. ولكن الذي أريد أن أقوله هنا، وربما لم يقله
الدكتور الجابري صراحة، وإن كان يمكن أن يتضمنه كلامه، ولم يقله أيضاً دعاة
التجديد، أو دعاة الاجتهاد والناهون عن التقليد هو: أن الخروج من النموذج، ومن
عالم الأشخاص، إلى عالم الأفكار، لا يتم إلا بالخروج من عالم الصور الذهنية إلى
الحقائق الخارجية للتعامل معها بدل النماذج والصور والأشخاص. ولكن هذا القول
أيضاً غير كاف، ولا يزيد عن أن يكون أسلوباً للتعبير عن المشكلة بلفظ آخر. إننا لا يمكن أن نصنع من إنسان مقلد مجتهداً
بقولنا له: إجتهد، أو أن نمدح له الاجتهاد ونذم له التقليد مهما أوتينا من بلاغة
في الترغيب والترهيب فقولنا: كن مجتهداً، كن سلفياً، كن تقدمياً، كن علمياً..
ولا تكن مقلداً ولا وصولياً ولا ديماغوجياً، هذه الأمور التي نحبها أو نكرها لن
تتحقق بهذه الأوامر أو الوصايا أو المواعظ … وهكذا أرى الدكتور الجابري مع ماله من قدرة
على التحليل الذي يغبط عليه، ومع تحديد المشكلة الجامعة بين السلفي والليبرالي
والتقدمي: لم يقل لنا كيف نخرج من النموذج والسلف، وإنما قال لنا بأسلوبه البليغ
السابق الذي هو نموذج بليغ لإدانة أكثر لأساليب معالجة اليمين واليسار والمتوسط،
في أنهم أجمعين مقلدون آبائيون نموذجيون، وإن كان لكل منهم سلفه الخاص، وآباؤه
الخاصون، ونماذجه المفضلة.. وفي الواقع إن الجابري قد لنا شيئاً مهماً، في أنه
جمع كثيراً من الأمراض التي كنا نظنها أمراضاً متعددة ومشكلات متباينة، تحت مرض
واحد ومشكلة واحدة، وهي: عبادة الأشخاص، والنماذج، والسلف والآباء.. وهذا تقدم
في طريق الحل وتضييق من ساحة المشكلة، وتحديد لموضع الداء.. ولهذا قيمة كبرى في
بحث وحل المشكلات. ولكن ما الطريق للخروج من هذا المرض الواحد؟ إنه لم يحدثنا
مباشرة. ويمكنني أن أقول هنا: إن السبيل إلى الخلاص من الأبائية والتقليد
والنموذج والسلف والأشخاص، هي القراءة الواسعة العميقة.. هي ( اقرأ وربك الأكرم،
الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). إن القراءة المحدودة، الضحلة
المرعوبة، لا تخلص من التقليد والأبائية.
إن من لم ير إلا نموذجاً واحداً وربما مشوهاً أيضاً.. كيف يمكن له أن
يبدع ويضيف جديداً لم يسبق له مثيل. فالاجتهاد في حقيقته زيادة على نهاية بناء
سابق. إن الذي يرى نماذج كثيرة، وبتأمل عميق، هو الذي يستطيع أن يستخلص النموذج
أو المثال الذي يجمع الحسنات، أو المثال الذي لم يظهر بعد. إنه هو الذي يستطيع
أن يجني الورد في جوف الشجر كما قال إقبال. ومع إني أقول إن القراءة الواسعة العميقة
الملحة، في التتبع والاستقصاء، هي التي تخلص من النموذج والتقليد وعالم
الأشخاص.. لا أظن أنني أضفت شيئاً كبيراً.. فالقراءة الواسعة العميقة، ينبغي أن
توضع تحت أضواء ساطعة ومجاهر موغلة في البيان والتوضيح لأنه ليس من السهل حمل
الإنسان الكسيح، والبحر الذي تعوزه المراكب التي لها مناعة ضد الغرق في الأمواج
أو المتاهات. والآن إذا قلت للدكتور الجابري: كيف الخروج من النموذج والسلف؟
فيحق للقارئ أيضاً أن يقول لي: ولكن كيف السبيل إلى القراءة الواسعة العميقة
التي تنصح بها؟ أين الخريطة والبوصلة، وأين المركب للدخول إلى العالم الكبير
الفسيح الذي تشتبه فيه المعالم؟ أقول للمتسائل: إني لا أزعم أني أقدم لك خريطة
واضحة المعالم، ولا بوصلة دقيقة حساسة.. وإنما كل عملي أن أتقدم خطوة في تجديد
المشكلة. فإذا اتفقنا على أن النموذج لا يحل مشكلتنا، فإني أقول هنا: إن الحل في
القراءة الواسعة الماسحة المحصية لتجارب البشر، ومعاناتهم بالسير في الأرض
والنظر إلى سنن الذين خلوا من قبل، لنخرج بالعبرة ولنمنع تكرار الخطأ، ونبصر ما
يزيد الله في خلقه، وما يبدع في سماواته وأرضه ونتبع القول الكريم: ( قل هذه
سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من
المشركين) ( يوسف / 108). والبصيرة هي رؤية كل ما يتصل بالمشكلة، وتجميع الآراء،
ثم اختزال الصواب واقتناص دلائل المستقبل وإشارتها، فهذه هي البصيرة، وهذا هو
الاهتداء للحق فيما اختلفوا فيه حتى لا نلدغ من جحر مرتين وقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: « لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين » حين نأخذه على مختلف مستوياته،
نرى في مستوى منها أن المجتمع المؤمن والبشرية الواعية التي تتعلم من عبر
التاريخ، لا ينبغي لها أن تكرر الخطأ الذي حدث مرة مع البشرية في تاريخها، فإن
فعلت وكررت الخطأ ولدغت من الجحر الواحد مرتين ودفعت ضريبة الخطأ مرتين، تكون
بذلك قد نفت عن نفسها صفة الإيمان الذي يعطي نتائجه الاجتماعية، لأنها لم تعتبر
بالماضي الذي يلح القرآن على التحديق فيه لأخذ العبرة. أيها الفتى الناشئ، انتبه إلى هذا وتأمله..
إنه من المفيد جداً أن تفهم هذا، وأن نسعى جميعاً لنهيئ أنفسنا للقيام بمثل هذه
الوظيفة التي تتطلب منا أن نقوم بدور العسس - حراس الليل - الذين يسهرون بيقظة
حتى يحفظوا المجتمع من أن يلدغ من جحر واحد مرتين، وحتى لا ندفع ضريبة غفلتنا عن
لدغة حدثت في التاريخ. وإن المجتمع الذي ليس له رواده البار الذين
يقدمون له أحداث العالم بوقار وجدية وصدق، والذي يعيش عالم الثقافة بلا بوصلة..
إنه يضطر أن يقرأ غثاً كبيراً، حتى يعثر على شيء نافع، أو بضع صفحات أو أسطر من
كتاب في ألف صفحة.. |
|
|