والاجتهاد

جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم))

 

القراءة

كثر في العصور الأخيرة الحث على الاجتهاد في العالم الإسلامي، الاجتهاد بالمعنى الأصولي، الاجتهاد لاستنباط أحكام جديدة تناسب الوقائع الجديدة في الإسلام، كما كثر الذين تخوفوا من الاجتهاد، والذين تأسفوا من إغلاق باب الاجتهاد..

وبحسب ما أرى أن الاجتهاد لن يتحقق بالأسف على توقفه، ولا بالحث على ممارسته، وإنما يتحقق على وجهه الصحيح بكثرة القراءة والاطلاع، ورؤية موارد الأدلة ومصادرها. فالذي اطلع على كل ما قاله الناس في موضوع ما سواء من أهل الأديان، أو أصحاب العقول على اختلاف العصور.. لا يمكن أن يُمنع من الاجتهاد. كما أن من كانت قراءاته قليلة لا يمكنه أن يجتهد ولا بصر مواطن الفهم والرشاد، أو مواطن الخطأ والفساد، وإن الذين لا يدرسون علم المقارنة في الآداب والشرائع والتواريخ، ولا يدرسون أحداث العالم ولا يقارنون فيما بينها، لا يمكن أن يزكو العلم على أيديهم.

والإنسان لا يمكن أن يتجاوز قدره، وقدره إنما هو بحسب علمه ومعارفه وشخصيته. وكل واحد منا إنما هو محصلة ما جمع من خبرات في هذا العالم الذي يعيش فيه. والخبرات إنما هي الخبرات البشرية المتراكمة التي حصلها بالقراءة.

وإن الذي تمكن من الإحاطة بعالم الأفكار، يمكنه أن يحدد مستوى أي كاتب، وبمجرد أن يطلع على عنوان أو فهرس أو فصل من كتاب، فانه يعلم مستوى ودرجة ومقدار ما حصل صاحبه من علم. مثال ذلك ما ذكره ابن النديم في الفهرست عن العتابي أنه: ( لو قيل لأشاعره ارجعي إلى أصحابك لما بقي له شيء). وكل واحد منا لا يمكنه أن يعدو قدره، ولا أن يعدو اطلاعاته وما هضم من أفكار، فهو محدود بهذا الحد شاء أم أبى.. وكل واحد منا له مقام معلوم لا يمكن أن يتجاوزه، فالمحصي للأفكار سيعلم من أي إناء ننضح، وعند أي مفهوم زمني نقف، بل ويمكن أن يحدد مصادر معلوماتنا زمانياً ومكانياً، ويصفنا بحسب مراجعنا التي لا تخفى على البصير المطلع.

إن الذين يقومون بدور الشهادة ( وتكونوا شهداء على الناس) ( الحج / 78) هم الذين يمكنهم أن يقوموا بهذا الدور في التصنيف والتحجيم. ونحن أمة ( اقرأ وربك الأكرم) أهملنا هذا الواجب وتخلينا عن هذه الكرامة، فصرنا موضوع دراسة لغيرنا، وليس غيرنا موضوعاً لدراستنا، وغيرنا هم الذين يقومون بشرف الشهادة على العالم. ( وتكونوا شهداء على الناس). إنها وظيفة لا يمكن أن يؤديها من لم يحمل نفسه على اكتسابها ويَعُسَّ العالم.

واكتساب مثل هذه الوظيفة، أو التطلع لاكتسابها، يتطلب من الإنسان منطلقات في تصور بدء التاريخ ( بدء الخلق) والمصير، وسلطان الإنسان، والقدرة التسخيرية، ومعنى الحق وسنن الخلق، كما يتطلب نوعاً جديداً من الوعي للمبدأ والمصير وللوسائل والغايات. ونحن لم نرتفع لهذا المستوى، ومجتمعنا لا تفوح منه مثل هذه الرائحة، لانشغاله بأمور أخرى - هي في نظره - ملحة أكثر وعاجلة، كانت محط اهتمام الإنسان قبل أن يرتبط بالمجتمع ويتنازل عن حقوقه القبلية والعشائرية ليوسع من نطاق إنسانيته. وإن إدراك مثل هذه النقلات النوعية يحتاج إلى لغة جديدة للخطاب نفتقد أبجدية سننها، فثقافتنا المتداولة إنما هي في الإشادة بكرامات الأولياء، ومقامات سادتنا، والحكمة كل الحكمة أن نكون بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل، إن كان مثل هذا الميت يحتاج إلى تطهير. ولا عبرة بتغير أسماء الأولياء والمشايخ بألقاب جديدة، فعلاقة المريد بالشيخ لا تزال كما كانت مع كل شعاراتنا الفخمة، ومن قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبداً، هي مضمون الحرية والديمقراطية عندنا، ومن هنا ينبغي أن يعلم شبابنا أننا لم نبدأ بعد بالنهضة ولا بالفهم.

إن من ينظر إلى إنتاجنا الفكري، وبضاعتنا المتداولة التي لها الصدارة، يعرف أننا تخطُ خطوة واحدة منذ مئتي عام، بل يمكن أن يرى تراجع الأهداف والغايات، وتثبيت دعائم التخلف والتشتت. فالذين ليس لهم بصر بسنن التاريخ وكيف بدأ الخلق، يصابون بالحيرة واليأس من العيش في التناقض، واختلاط الدنس بالمقدس والعلم بالجهل، والشرف بالوضاعة، والأمانة بالخيانة والعمالة.