|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
القراءة
|
|
|
منذ
أن بدأ الإنسان يقرأ ويكتب بدأ العلم ينمو. فنماء العلم وسعته بالقراءة، وسيظل
الأمر كذلك.. وكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً معناه أن أحداً من البشر لن
يأتي بشيء وهو أمي. وأمر الله النبي الأمي بالقراءة في أول كلمة إليه إلغاء
للامية وفتح لعهد جديد عهد ( اقرأ) و ( علّم بالقلم) و ( ن. والقلم وما يسطرون)
وعهد ( الرق المنشور). هذه الكلمات هي التي ربطت العلم بالقراءة والكتابة،
والقلم وما يسطرون. إن دليل العلم العاقبة، والعلم والعاقبة إنما
يحفظان وينميان من خلال القلم، والدليل على أن العلم من القلم واضح في قوله
تعالى: ( علّم بالقلم). إذاً العلم بالقلم، بالكتابة، بالحفظ، بتسجيل تجارب
البشر والنظر فيها.. وبذلك يتمحص العلم. ولو فقد الناس كل شيء وبقيت الكتب لأمكن
إعادة كل شيء، ولكن لو فقدوا كل شيء مع الكتب، لاحتاجوا مرة أخرى إلى الزمن الذي
احتاجه تقدم العلم.. وكون اقرأ أول كلمة في آخر رسالة إشارة إلى عهد جديد في
النبوة وفي أسلوب جديد في التلقي عن الله. إنها آيات الله في الافاق والنفس التي
ستُظهر للناس الحق، وهذه الآيات إنما تحفظ دلالاتها بالعلم والقراءة. فبالقراءة
يحصل الإنسان علم الأولين جميعاً. وبالقراءة يرقى الإنسان الدرجات العلا، وفي
هذا يقول عليه الصلاة والسلام: « اقرأ وارق » ؛ أي على قدر القراءة تنال الدرجات
العلا وتنال الرقي والعلو والارتفاع. والاستعمال التقليدي للحديث الشريف يقصره
على القرآن الكريم، وعلى الرقي في اليوم الآخر فقط. ولكن - كما يقال في علم
الأصول - الأمر ليس بخصوص السبب بل بعموم الحال، وبهذا الاعتبار يمكن أن يعمم
الموضوع فيشمل قراءة القرآن الكريم وغيره، لأن القرآن يأمرنا بالسير في الأرض،
والنظر كيف بدأ الخلق. ويمكن تحصيل نتائج السير والنظر بالقراءة، فالقرآن يوسع
لنا مجال القراءة، وإن قراءة أي كتاب تفتح الباب لقراءة غيره. وليس الرقي للقارئ
في الآخرة فقط، بل إن آيات الافاق والأنفس تدل على أن القارئ هو الذي يرقى
ويرتفع في الدنيا أيضاً. وكثيراً ما نعطل المضمون الاجتماعي لآيات
القرآن بهذا النوع من الحصر والبتر والفصل عن واقع الحياة. وهذا ما جعل مالك بن
نبي يقول عن آية ( إن الله لا يغير مات بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم): ولقد أشادت
أيضاً الحركات التغييرية التي سبقت في العالم الإسلامي بهذه الآية كشعار، ولكن
يبدو أنها لم تضع في هذا الشعار سوى التبرك بكلام الله والتفاؤل بحيث لم يكن
بيدها في حقيقة الأمر وسيلة تغيير، أو إذا شئنا قلنا: إنها وضعت في الآية
الكريمة مجرد المحتوى الغيبي. حتى أنه يمكننا القول، بأن المفعول الاجتماعي
للآية قد عطل بهذه الطريقة( 1). وإن القراءة الواسعة العميقة الشاملة لتراث
البشرية التي عناها قوله تعالى: ( إئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم) (
الأحقاف / 4/) هي التي تجعل الإنسان عالمياً يتجاوز الألوان واللغات والمعتقدات،
فالذين يضربون في عالم القراءة بسهام وافرة، هم الذين يمكنهم أن يتسامحوا مع
الباحثين والمخالفين، وهم الذين يقدرون على رؤية الجوانب الإيجابية ويزكونها،
ويغضّون الطرف على الجوانب السلبية. فالدراسة تجعل صدر صاحبها واسعاً وقلبه
كبيراً، وحلمه عاماً وأسلوبه قوياً في بيان الحق مع رحمة الخلق. إن التسامح غني
وكرم، ولم يتمكن فقير وبخيل أن يكون جواداً كريماً مع الناس. وبالقراءة الواسعة
الشاملة لتراث البشرية يتحلى الإنسان بالوقار والرحمة والحلم والعفو. عن الصبر
والغفران والرحمة والإحسان.. هي الثمرات اليانعة للقراءات الواسعة للسير في
الأرض والنظر إلى سنن الذين خلو من قبل. وأنى يقدر على التسامح من لم يتطلع على
مواقف المتاسمحين في العالم! ولهذا يقول الله لنبيه ( وكلاً نقص عليك من أنباء
الرسل ما نثبت به فؤادك) ( هود / 120). |
|
|